خلال الساعات الماضية اتخذ الصراع الداخلي في إثيوبيا بين الحكومة الإثيوبية وتحالف المتمردين بقيادة قوات تيجراي منحى أكثر اتساعا، مع دخول أطراف إقليمية في دائرة الاتهامات المتبادلة بين الحكومة الإثيوبية وعدد من دول المنطقة.
إثيوبيا تتهم إريتريا ومصر والسودان
وفي محاولة من الحكومة الإثيوبية لجمع صفوفها في ظل ما تواجهه من تحديات داخلية وفشل في حسم المواجهات على الأرض، اتجهت أديس أبابا إلى اتهام كل من إريتريا ومصر والسودان بالوقوف خلف قوات تيجراي، وهو ما فتح الباب أمام انتقال الأزمة من صراع داخلي إلى توترات ذات أبعاد إقليمية.
واتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، الدول الثلاث بشكل رسمي، زاعما أن الجيش الإثيوبي يخوض مواجهات مع أطراف منظمة ومتحالفة، تعمل لخدمة مصالح قوى خارجية تستهدف إثيوبيا.
وتزامنت هذه الاتهامات مع تصعيد واضح في العلاقات الإثيوبية الإريترية، بعدما أعلنت أديس أبابا أنها ستطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، إلى جانب إغلاق سفارتها في أسمرة، في خطوة عكست حجم التوتر المتزايد بين البلدين.
إريتريا والسودان تنفي ومصر ترد
من جانبها، نفت إريتريا والسودان الاتهامات الإثيوبية في بيانات رسمية، كما نفت مصر بدورها ما ورد على لسان قائد الجيش الإثيوبي.
ونشر نادر زكي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، رسالة على حسابه في موقع فيسبوك مساء أمس الاثنين، شدد فيها على أن السياسة الخارجية المصرية تقوم على مبادئ راسخة وغير قابلة للتجزئة، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، ووحدة وسلامة أراضيها، والالتزام الكامل بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة.
قطع العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا
ورغم النفي الصادر عن الدول الثلاث، استمرت أديس أبابا في مسار التصعيد، حيث أعلنت إجراءات ضد إريتريا، قبل أن ترد وزارة الخارجية الإريترية بإعلان أنها “لا تملك خيارًا سوى الرد بالمثل”، معلنة قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل مع إثيوبيا.
توتر العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا
ولم يتوقف التصعيد عند الجانب الإثيوبي الإريتري، إذ شهدت العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا بدورها خطوة جديدة، بعدما أبلغت الخارجية الإثيوبية الدبلوماسي المصري أحمد محرم، الذي يعمل في السفارة المصرية في أديس أبابا، بأنه شخص غير مرغوب فيه، مع منحه مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد.
مصر ترد بالمثل على إثيوبيا
وردت القاهرة بالمثل، معتبرة مستشار السفارة الإثيوبية “إجازي أميلو بوروجي” شخصًا غير مرغوب فيه، وأمهلته السلطات المصرية 48 ساعة لمغادرة البلاد.
الاتحاد الأفريقي يدعو لضبط النفس
ومع اتساع دائرة التوترات، تدخلت مفوضية الاتحاد الأفريقي، مؤكدة أنها تتابع بقلق بالغ تصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، داعيا الدول الأعضاء الثلاث إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أو إصدار أي تصريحات من شأنها زيادة حدة التوترات وتقويض السلام والاستقرار الإقليميين.
باحث في الشأن الأفريقي: إثيوبيا تحاول تصدير المشكلة
ويرى الدكتور رأفت محمود، الباحث والمتخصص في الشأن الأفريقي، أن انتقال الأزمة الإثيوبية إلى نطاق إقليمي أصبح أمرا واردا، مشيرًا إلى أن إثيوبيا تحاول في الوقت الحالي تصدير المشكلة باعتبارها ليست أزمة داخلية بالأساس، وإنما نتيجة تدخلات من قوى إقليمية في الشأن الإثيوبي الداخلي.
وخلال حديثه لموقع مصراوي، وأوضح الباحث في الشأن الأفريقي، أن ما حدث بين إثيوبيا وإريتريا، بدءًا من ملف السفارات وطرد السفراء أو الملحقين الدبلوماسيين، إلى جانب ما يتعلق بالطيران وإغلاق الحدود بين الدولتين، يعكس طبيعة التصعيد القائم.
وأضاف محمود، أن الأمر تزامن لاحقًا مع تصريحات متتالية من القيادات السياسية والأمنية الإثيوبية، ومن بينها تصريحات رئيس الأركان الإثيوبي بشأن ما وصفه بالتدخل المصري في الشأن الإثيوبي.
واعتبر محمود، أن ما يحدث حاليًا داخل إثيوبيا يمكن أن يؤدي إلى خروج الصراع من نطاقه الداخلي بين القوى المتحالفة ضد الحكومة الفيدرالية إلى نطاق إقليمي أوسع.
وأشار الباحث في الشأن الأفريقي، إلى أن الحكومة الإثيوبية قد تتجه إلى اتخاذ خطوة استباقية من خلال تصدير الأزمة إلى الخارج، خاصة تجاه إريتريا، وهو ما يمكن أن يحقق الحشد الداخلي خلف الحكومة الفيدرالية من خلال تقديم الأزمة باعتبارها مواجهة مع تحديات خارجية تتعلق بالكيان الإثيوبي والدولة الإثيوبية ككل، واللعب على المشاعر القومية.
ويري محمود، أن هذا الأسلوب سبق استخدامه في سياقات مرتبطة بسد النهضة، منذ بداية بنائه وحتى الفترات اللاحقة، من خلال تقديم القضية باعتبارها تحديًا قوميا وتنمويا، وأن الشعب الإثيوبي يواجه أخطارا وتحديات خارجية تستهدف وقف التنمية والأهداف الإثيوبية.
ولفت محمود إلى أن تصدير وجود تحد خارجي، وخاصة من جانب مصر، يمكن أن يكون كذلك غطاء على بعض الأغراض السياسية والأمنية الداخلية، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الداخلية في إثيوبيا.
لكن الباحث يرى في الوقت نفسه أن الوضع الحالي يختلف عن التحالفات السابقة، موضحًا أن الصراع لم يعد متعلقًا بالحكومة الفيدرالية والقوى التي تحالفت معها في مواجهة تيجراي، وإنما أصبح أكثر اتساعا مع وجود تحالف يضم سبع قوميات، مع إمكانية توسع هذا التحالف.
أسباب الصراع في إثيوبيا
ويربط محمود الصراع في إثيوبيا بمحاولة رئيس الحكومة الإثيوبي أبي أحمد بالانفراد بالسلطة وتوجه الحكومة نحو مزيد من المركزية والابتعاد عما نص عليه دستور الأثيوبي عام 1991 بشأن النظام الفيدرالي وحقوق القوميات في إدارة شؤونها الداخلية وحقها في الاستفتاء على الاستقلال.
وبحسب الباحث، فإن هذه التطورات تمثل أحد أسباب الوضع الحالي، في ظل تحالف القوميات في مواجهة أبي أحمد.
تسخين الجبهة الإريترية الوصول إلى البحر
أما على المستوى الخارجي، فيرى محمود أن التصعيد قد يدفع باتجاه إريتريا، خاصة في ظل إمكانية استغلال الأحداث الجارية، وهو ما قد يؤدي إلى ما وصفه بـ”تسخين الجبهة الإريترية”، وصولا إلى تحقيق الهدف الذي تسعى إليه إثيوبيا منذ فترة، والمتعلق بالوصول إلى البحر.
ويضيف الباحث في الشأن الأفريقي، أن تقديم الأمر داخليا على أساس وجود توجه عدائي من قوى إقليمية، من بينها مصر والسودان وإريتريا، قد يسهم في تحقيق قدر من الحشد الداخلي، خاصة إذا ارتبطت المواجهة مع إريتريا، إلى جانب أهدافها الأخرى، بالسعي إلى تحييد إريتريا عن التدخل في الشأن الداخلي الإثيوبي وتحقيق هدف الوصول إلى البحر ووجود ميناء.
انتقال الصراع إلى نطاق إقليمي
ويرى محمود أن إمكانية انتقال الصراع إلى نطاق إقليمي أوسع ستتوقف على عدد من العوامل، في مقدمتها طبيعة التعامل الإريتري وقدرة إريتريا على مواجهة التحدي الإثيوبي، إلى جانب الموقف الإقليمي للقوى المختلفة، وكذلك الموقف الدولي من هذا التصعيد.
اهتمام قوى إقليمية ودولية
وأكد الباحث في الشأن الأفريقي، أن اتساع نطاق المواجهة من شأنه أن يثير اهتمام قوى إقليمية ودولية لها مصالح في منطقة القرن الأفريقي، وقد يدفعها إلى محاولة الحد من اشتعال الصراع، خاصة في ظل أهمية المنطقة والتي ترتبط كذلك بالبحر الأحمر ومدخله الجنوبي.

