في قلب صحراء الجلف الكبير، يمتد وادي الحمرا كأحد أكثر المواقع الطبيعية والأثرية غرابة في مصر، بعدما صنعت عوامل التعرية، على مدار آلاف السنين، تكويناته الصخرية ذات اللون الأحمر، بينما احتفظت جدرانه بنقوش صخرية توثق حياة الإنسان الأول، وحيوانات عاشت في المنطقة حين كانت الصحراء الكبرى أكثر مطرًا واخضرارًا.
وقال الأثري محمد إبراهيم، مدير آثار الوادي الجديد، في تصريحات خاصة لمصراوي، إن وادي الحمرا يمثل سجلًا مفتوحًا لعصور ما قبل التاريخ، إذ يضم ثلاثة مواقع رئيسية تنتشر فيها النقوش الصخرية، وتكشف تفاصيل مختلفة تمامًا عن طبيعة الجلف الكبير الحالية، التي تعد من أشد مناطق مصر جفافًا.
نقوش تحكي زمن الصحراء الخضراء
وأوضح محمد بهنوس، خبير بيئي في المحميات الطبيعية، أن النقوش الصخرية في وادي الحمرا تضم رسومًا لزرافات وغزلان وظباء، وهي حيوانات لا تستطيع العيش حاليًا داخل هذه البيئة القاحلة، ما يعكس اختلاف الظروف المناخية التي سادت المنطقة خلال عصور قديمة.
وأضاف أن الرسوم لا تقتصر على الحيوانات، بل تشمل مشاهد للإنسان الأول ومحاولاته لاستئناس بعض الحيوانات، وهو ما يشير إلى وجود تجمعات بشرية مارست أنشطة يومية وعاشت لفترات مستقرة داخل الجلف الكبير.
وبحسب الخبير البيئي، تعد النقوش الصخرية من أبرز الشواهد على التغير المناخي القديم؛ لأنها تسجل انتقال المنطقة تدريجيًا من بيئة مطيرة ذات غطاء نباتي وحياة برية متنوعة، إلى نطاق صحراوي شديد الجفاف.
وأكد أن دراسة وادي الحمرا تساعد الباحثين على فهم التغير المناخي وتاريخ الصحراء الكبرى بصورة أكثر دقة، خاصة أن الرسوم تقدم توثيقًا بصريًا لطبيعة الحياة التي سبقت موجات الجفاف المتلاحقة.
وأشار بهنوس إلى أن وادي الحمرا يحتفظ بغطاء نباتي لافت رغم قسوة المناخ، موضحًا أن مياه السيول النادرة القادمة من هضبة أبو رأس تتسرب إلى طبقات الأرض، وتكوّن خزانًا جوفيًا محدودًا يتيح استمرار عدد من النباتات الصحراوية.
وتشمل النباتات الموجودة أشجار السنط القادرة على تحمل العطش، إلى جانب شجيرات الميروة، ونباتات الفاغونيا، ونبات الزيلة الشوكي.
ويرى بهنوس أن وجود هذه النباتات داخل الجلف الكبير يمنح وادي الحمرا قيمة بيئية استثنائية، ويجعل حمايته ضرورة مرتبطة بحفظ التنوع الطبيعي والتاريخ الثقافي في آن واحد.
وأوضح أن الموقع يحتفظ بقيمته بسبب عزلته الجغرافية وصعوبة الوصول إليه، لكن هذه العزلة لا تكفي وحدها لحمايته، إذ تحتاج المنطقة إلى متابعة مستمرة، وتوثيق رقمي للنقوش، ورفع الوعي لدى فرق السفاري والزائرين بأهمية عدم لمس الرسوم أو تغيير ملامح المكان.
وجرى إعلان الوادي جزءًا من محمية الجلف الكبير عام 2007، فيما تخضع زيارته لضوابط صارمة، بهدف الحد من الأضرار التي قد تلحق بالنقوش الصخرية والغطاء النباتي نتيجة الحركة غير المنظمة.
من جانبه، قال محمد محسن عبد المنعم، مرشد رحلات السفاري المعروف بلقب «ثعلب الصحراء»، في تصريحات خاصة لمصراوي، إن السياحة الصحراوية في الجلف الكبير تعد من أغلى وأهم أنماط الرحلات في مصر، إذ تمتد الرحلة قرابة أسبوعين، وتتطلب سيارات مجهزة، ومؤنًا كافية، وخبرات ملاحية وأمنية دقيقة.
وأضاف أن السياحة الصحراوية لا تتوقف عند وادي الحمرا، لأن الجلف الكبير يضم مجموعة واسعة من المواقع الفريدة، من بينها جبل العوينات الممتد بين مصر وليبيا والسودان، والذي تنتشر على صخوره رسوم تعود إلى إنسان ما قبل التاريخ.
وأشار إلى أن المنطقة تضم أيضًا السيليكا الزجاجية، وهي مادة نادرة يرجع تكوّنها إلى صدمة نيزكية قبل نحو 28 مليون سنة، فضلًا عن وادي صورة الذي يحتضن كهف السابحين ورسومات لحيوانات غريبة.
كما يضم نطاق الجلف الكبير كهف المستكاوي، الذي يحتوي على أكثر من ألفي نقش ورسم للإنسان الأول، بما يجعله واحدًا من أبرز مواقع الفن الصخري في الصحراء الغربية.
وأكد محسن يونس، مدير الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، لمصراوي، أن فتح المجال أمام السياحة الصحراوية بصورة مدروسة يمكن أن يحول وادي الحمرا إلى مقصد عالمي، بشرط الالتزام بضوابط الحماية، وتحديد مسارات الزيارة، وتدريب منظمي الرحلات على التعامل مع المواقع الحساسة.
وأضاف أن السياحة الصحراوية تستطيع دعم المجتمعات المحلية وخلق فرص عمل مرتبطة بالإرشاد والنقل والخدمات اللوجستية، شريطة ألا يتحول النشاط السياحي إلى مصدر ضغط يهدد النقوش الصخرية أو النباتات النادرة.
واختتم بأن وادي الحمرا وبقية مواقع الجلف الكبير تقدم دليلًا حيًا على التغير المناخي الذي أعاد تشكيل الصحراء الكبرى، كما تمنح النقوش الصخرية فرصة نادرة لفهم علاقة الإنسان الأول بالبيئة.

