دخل الصراع المتقلب بين إيران وأمريكا شهره الخامس على وقع هدوء حذر فرضته حسابات معقدة؛ إذ علق الجيش الأمريكي غاراته الجوية المكثفة بعد أسبوعين من التصعيد العنيف، في وقت تدفع فيه الدبلوماسية قدما للحيلولة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
لكن هذا التوقف لا يبدو مخرجا من الأزمة، بل يكرس مأزقا بنيويا يبدو فيه الطرفان عاجزين عن المضي قدما في الحرب أو التراجع إلى سلام دائم.
المأزق العسكري: حدود القوة الجوية وبنك الأهداف
يتجلى المأزق العسكري الأول في وصول حملة القصف الجوي الأمريكية إلى أقصى حدود فعاليتها الميدانية.
وفي كواليس هذا التراجع، كشف مصدران مطلعان لموقع “أكسيوس”، يوم الأحد، أن قائد القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” الأدميرال براد كوبر، رفع توصية رسمية تقضي بإنهاء حملة الغارات الجوية الجارية في مضيق هرمز، مؤكدا أن بنك الأهداف المحدد مسبقا استهلك بالكامل تقريبا، وأن الاستمرار في القصف المحدود بات بلا جدوى عسكرية.
وأوضح كوبر في تقييمه، الذي رفعه لوزارة الدفاع وهيئة الأركان والبيت الأبيض، أن الانتقال للمرحلة التالية يتطلب بالضرورة قرارا بالعودة إلى العمليات القتالية الكبرى بهدف تدمير نسبة الـ20% المتبقية من الأهداف التي حددها الجيش الأمريكي سابقا ولم تشملها عملية “الغضب الملحمي”.
يمثل هذا التقييم اعترافا بوجود سقف ملموس لما يمكن تحقيقه عبر حملات القصف الجوي دون الانزلاق إلى حرب شاملة لا ترغب بها واشنطن.
يُزيد المشهد تعقيدا، غياب إسرائيل التي انخرطت في الحرب إلى جانب أمريكا منذ انطلاقها في 28 فبراير، عن الجولة الأخيرة من الضربات.
هذا الغياب يفسره مايكل سينج، المدير التنفيذي لـ”معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، بأنه محاولة من واشنطن لضبط حدود الصراع وتجنب تفجيره.
وتساءل سينج في تصريحات لوكالة “أسوشيتد برس”، عما إذا كان هذا التوقف يمثل تحولا لافتا يستمر أياما عدة أم مجرد استراحة عملياتية مؤقتة للجيش الأمريكي.
المأزق اللوجستي: تحذيرات النقص والاعتراض الانتقائي
يرتبط المأزق العسكري بمأزق لوجستي أعمق يتعلق بقدرات الدفاع الجوي؛ إذ حذر رئيس الأركان الأمريكي الجنرال دان كين في جلسات مغلقة، وزير الدفاع بيت هيجسيث والرئيس ترامب من أن العجز القائم في أعداد الصواريخ والمنظومات الاعتراضية قد يعوق حماية القوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة، وفقا لما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز”.
هذا التحذير السري تُرجم فعليا إلى واقع عملياتي صادم في الميدان؛ حيث كشف مسؤولان أمريكيان كبيران لشبكة “إن بي سي نيوز”، يوم الجمعة، أن القادة العسكريين الأمريكيين باتوا ينتقون الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية التي يقررون اعتراضها، مع السماح بمرور بعض الهجمات عبر منظوماتهم الدفاعية دون إسقاطها، بهدف الحفاظ على مخزونهم المتناقص من الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن في مواجهة حرب استنزاف غير متكافئة التكلفة.
المأزق السياسي لترامب: أسعار الوقود وصناديق الاقتراع
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معضلة داخلية خانقة؛ فهو يواصل إطلاق التهديدات العسكرية ملوحا بتسريع وتيرة العمل العسكري أو تفكيك قدرات إيران، لكنه يقف مقيدا بالمخاوف من انعكاسات الحرب على الداخل الأمريكي.
ذلك لأن الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز الذي يعبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، أدى لقفزة كبيرة في أسعار الوقود أثارت غضب الشارع الأمريكي، وهو ما يهدد بإضعاف حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل.
وكان ترامب يظهر ميلا عارما لاستئناف القتال الواسع، غير أن قناعته بدأت في التحول تدريجيا مساء الخميس لتستقر يوم الجمعة على كبح جماح الغارات، عقب عرض التقارير العسكرية عليه في اجتماع مغلق بالمكتب البيضاوي، وفقا لـ”أكسيوس”.
ورغم إعلانه أنه ليس مستعجلا لحسم الملف وأن الانتخابات ستتكفل بتهيئة الظروف لنفسها، يظل ترامب حريصا على عدم إغضاب الناخبين من أسعار الغذاء والوقود، بانتظار ما ستسفر عنه زيارة رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن الأسبوع المقبل للاجتماع به.
مأزق طهران: شبح التنازل والصراع الداخلي
على الجانب الآخر، تعيش القيادة الإيرانية مأزقا لا يقل صعوبة؛ فاقتصادها يحتاج بشدة لإعادة فتح مضيق هرمز للاعتبارات الحيوية ذاتها التي تحتاجها واشنطن، غير أن تقديم أي تنازل لأمريكا يمثل كابوسا لصناع القرار في طهران، إذ يخشون أن يفسر ذلك داخليا على أنه ضعف يهدد قبضتهم على السلطة، لا سيما في ظل انقسام القيادة وتنافس أجنحة عدة على النفوذ.
وتصطدم جهود التهدئة بتباين الرؤى حول شروط الملاحة؛ فمنذ معركة السيطرة على المضيق عقب اتفاق يونيو، تشترط طهران مرور السفن بمحاذاة شواطئها وفرض رسوم عبور، بينما كانت السفن تبحر عبر مسار جنوبي محاذ لعمان برعاية ورقابة أمريكية.
ورغم تأكيد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، إحراز تقدم في المحادثات الفنية التي جرت مع وفد عمان في طهران قبل مغادرته السبت، فإن الفجوة تظل واسعة بين الطرفين اللذين يبحثان عن صيغة توازن صعبة تحت شعار الهدوء مقابل الهدوء، عبر وساطة إقليمية تسعى لإقناع طهران بالسماح بحركة السفن مع تقليل القيود المفروضة عليها.
جبهات موازية تمنع الخروج من المأزق
وما يؤكد صعوبة الانفكاك من هذا المأزق، اشتعال جبهات موازية تعمل كصواعق تفجير مستمرة؛ حيث أعلنت جماعة أنصار الله “الحوثيين” في اليمن يوم السبت، قصف أهداف في السعودية بالصواريخ والمسيرات ردا على غارات طالت الحديدة، مدعية إغلاق مضيق باب المندب الذي يمثل شريانا حيويا لتصدير النفط السعودي.
وفي الوقت نفسه، يواصل الجيش الأمريكي حصاره البحري الصارم للموانئ الإيرانية، معطلا سفينة ترفع علم موزمبيق في خليج عمان يوم الجمعة إثر محاولتها خرق الحظر وتجاهل التحذيرات.
آفاق معلقة بين الدبلوماسية ولغة السلاح
يرى مايكل سينج، أن التفاوض عبر التصريحات المتبادلة بالتوازي مع لغة القوة العسكرية سيتواصل حتى ينجح الطرفان في بلوغ توازن جديد.
وفي هذا السياق، نقلت شبكة “إن بي سي” عن مندوب أمريكا لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن ترامب يفسح مجالا لتقدم القنوات الدبلوماسية مع بقاء كل الخيارات مطروحة على الطاولة، مؤكدا استمرار التواصل على المستويات كافة.
وتوازيا مع ذلك، تجري أمريكا وبريطانيا مشاورات مكثفة للتحضير لمؤتمر دولي يهدف لتشكيل تحالف لحماية حركة الملاحة في مضيق هرمز وتطهيره من الألغام، دون تحديد موعد نهائي له بعد، ليظل المشهد معلقا بين دبلوماسية اللحظة الأخيرة وصواعق التفجير الميدانية.

