بدأت قصة بئر الشغالة قبل أكثر من عقدين، لكن كل موسم حفائر جديد كان يضيف طبقة أخرى إلى تاريخ مدينة موط القديمة في واحة الداخلة، فمن مقابر يونانية متعددة الطوابق إلى مقابر رومانية ذات أسقف مقبية، ومن رسوم جنائزية ملونة إلى نصوص مصرية ويونانية، تحولت بئر الشغالة إلى سجل أثري يكشف تفاعلًا طويلًا بين الموروث المصري والتأثيرين اليوناني والروماني.
بداية الحفائر في جبانة مدينة موط
بدأ المجلس الأعلى للآثار أعمال الحفائر في منطقة بئر الشغالة عام 2002، في موقع يرتبط بمدينة موط، التي كانت عاصمة للواحة خلال الفترتين البطلمية والرومانية، وأسفرت المواسم الأولى للبعثة الأثرية عن الكشف عن أكثر من 10 مقابر غير مكتملة، شيدت بالحجر الرملي واستكملت بالطوب اللبن، وتعود إلى العصر اليوناني.
ولفتت هذه المقابر الأنظار بسبب تخطيطها المعماري غير المعتاد؛ إذ يتكون بعضها من ثلاثة طوابق، وبعضها الآخر من طابقين، بينما تنتهي عدة مقابر بشكل هرمي دقيق، كما حملت الجدران الداخلية لبعضها رسومًا جنائزية زاهية، ما كشف مبكرًا عن خصوصية بئر الشغالة داخل المشهد الأثري في واحة الداخلة.
ومع استمرار العمل، كشفت البعثة الأثرية عن انتقال واضح في طبيعة الدفن داخل الموقع، إذ ظهرت المقابر الرومانية بتخطيطات تعتمد على الصالات المستعرضة وحجرات الدفن والأسقف المقبية، إلى جانب مزارات جنائزية وعناصر مصرية ظلت حاضرة داخل سياق يعود إلى العصر الروماني.
خمس مقابر رومانية ولقى تكشف تفاصيل الحياة الجنائزية
في أغسطس 2017، أعلنت أعمال الحفائر في بئر الشغالة الكشف عن خمس مقابر رومانية مشيدة من الطوب اللبن، وتنوعت تخطيطات هذه المقابر الرومانية؛ فالمقبرة الأولى تبدأ بمدخل يؤدي إلى صالة مستعرضة ومنها إلى حجرتين للدفن وتنتهي بشكل هرمي، بينما جاءت الثانية بسقف مقبي ومدخل يقود مباشرة إلى حجرة الدفن.
أما المقبرة الثالثة، فلم يُكشف وقتها سوى الجزء العلوي منها، وظهرت على هيئة هرم مصمت، في حين اشتركت المقبرتان الرابعة والخامسة في مدخل واحد، مع حجرة دفن لكل منهما وسقف مقبي.
ولم تقتصر أهمية الكشف على العمارة؛ إذ عُثر على أجزاء من قناع لوجه آدمي مصنوع من الجبس ومطلي باللون الأصفر، وأوانٍ ومسارج فخارية، ولوحات تحمل كتابات هيروغليفية وهيراطيقية، إلى جانب مبخرة فخارية وجزء من قاعدة تمثال صغير لأبي الهول من الحجر الرملي، وكانت البعثة الأثرية قد أعلنت وقتها أن المواسم السابقة أسفرت عن ثماني مقابر رومانية جيدة الحفظ.
طقوس التحنيط
ومن بين أهم ما أظهرته بئر الشغالة خلال المواسم السابقة مقبرة من العصر الروماني ارتبطت بمزار جنائزي أمامي يضم مذبحًا وموقدًا عليه بقايا سناج ومائدة قرابين من الحجر الرملي.
وقادت عناصر المزار إلى مقبرة مقبية، وظهر على أحد جدرانها منظر يصور عملية تحنيط صاحب المقبرة، وتكشف هذه التفاصيل أن المقابر الرومانية في واحة الداخلة لم تكن مجرد حجرات لدفن الموتى، بل كانت جزءًا من منظومة طقسية تضم القرابين والمزارات والتكريم الجنائزي.
وفي يناير 2019، أضافت البعثة الأثرية فصلًا جديدًا إلى سجل بئر الشغالة، بعد الكشف عن مقبرتين من العصر الروماني زينت جدرانهما رسوم جنائزية واضحة الألوان.
وتميزت إحدى المقبرتين بسلم مكون من 20 درجة يسبقه عنصر معماري من الطوب اللبن، ثم مذبح من الحجر الجيري ومدخل رئيسي من الحجر الرملي يؤدي إلى صالة مشيدة بالطوب اللبن ذات سقف مقبي، ترتبط بحجرات للدفن.
أما المقبرة الثانية، فكشفت عن صالة مستعرضة وحجرتين جانبيتين، إلى جانب أساسات مزار جنائزي أمامي ومذبح وموقد يحمل بقايا سناج ومائدة قرابين، وأكد هذا الكشف مجددًا أن العمارة الجنائزية في واحة الداخلة جمعت بين التخطيط العملي للدفن ومساحات مخصصة للشعائر.
تكشف المقارنة بين مكتشفات بئر الشغالة عن عناصر متكررة، من بينها الصالات المستعرضة، وحجرات الدفن، والأسقف المقبية، والمزارات، والشكل الهرمي في عدد من المقابر الرومانية.
لكن التفاصيل تختلف من مقبرة إلى أخرى؛ فبعضها يبدأ بسلالم ومداخل حجرية، وبعضها يصل مباشرة إلى حجرات الدفن، بينما ظهرت مقابر متعددة الطوابق وأخرى تحمل نصوصًا ومناظر مصرية قديمة إلى جانب عناصر يونانية ورومانية.
ويمنح هذا التنوع بئر الشغالة قيمة تتجاوز عدد المقابر نفسها، لأنه يعكس طبيعة المجتمع الذي عاش في مدينة موط القديمة وتعدد روافده الثقافية.
مقبرة هرمية ومرثية يونانية من 19 سطرًا
وفي 24 سبتمبر 2026، أضيف أحدث فصول الموقع، مع إعلان البعثة الأثرية المصرية الكشف عن مقبرة هرمية الشكل من الطوب اللبن تعود إلى العصر الروماني، وخصصت لدفن رجل وزوجته.
وتبدأ المقبرة بسلم من 14 درجة يقود إلى مدخل رئيسي من الحجر الرملي على الطراز المصري، مزين بنقوش وكتابات هيروغليفية بالنحت الغائر، تتضمن تعاويذ وتلاوات جنائزية للحماية.
ويتوج المدخل كورنيش مصري تزينه الشمس المجنحة وحيتا الكوبرا، كما يحمل العتب العلوي منظرًا يمثل الساعة السابعة من كتاب «الإيمي دوات»، أحد كتب العالم الآخر في مصر القديمة.
وعُثر على المدخل مغلقًا بسدة حجرية تحمل هيئة أوزيرية وتحيط بها تعاويذ، بينما قاد المدخل إلى صالة مستعرضة من الطوب اللبن ذات سقف مقبي، وإلى حجرتين للدفن يعلوهما الشكل الهرمي للمقبرة.
وكانت أبرز مفاجآت الكشف لوحة جنائزية حجرية مثبتة في الجدار الجنوبي للشكل الهرمي، تحمل نصًا بالمداد الأحمر باللغة اليونانية القديمة، عبارة عن قصيدة رثاء من 19 سطرًا خُصصت لشخص يدعى «بيسيختيس».
وتشير الدراسة الأولية إلى احتمال شغله منصب قاضٍ، فيما تؤرخ المرثية إلى أواخر القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الميلادي.
كما عثرت البعثة الأثرية على مائدة قرابين من الحجر الرملي تعلو حوضًا للتطهير، وأوانٍ فخارية، وعملة برونزية تحمل نقش الإمبراطور الروماني قسطنطين. وتشير الشواهد إلى احتمال إعادة استخدام المقبرة في فترة لاحقة، خصوصًا مع وجود مقصورة من الطوب اللبن تعلو المدخل ومزار جنائزي أمامها.
بئر الشغالة سجل مفتوح لمجتمع موط
منذ انطلاق الحفائر عام 2002 وحتى كشف 2026، قدمت بئر الشغالة سلسلة مترابطة من الأدلة على الحياة الجنائزية والثقافية في واحة الداخلة. فالمقابر الرومانية، والرسوم، والمزارات، والتعاويذ، والكتابات الهيروغليفية والهيراطيقية، والنصوص اليونانية، والعملات والأواني، جميعها ترسم صورة لمجتمع حافظ على عناصر مصرية قديمة، وفي الوقت نفسه تفاعل مع ثقافات العصرين اليوناني والروماني.
وبحسب تسلسل الاكتشافات، فإن قيمة الموقع تتزايد مع كل موسم جديد، لأن مقارنة العمارة واللقى والنصوص عبر فترات مختلفة تساعد الباحثين على فهم التحولات الدينية والاجتماعية، وتوضح كيف استمرت التقاليد المحلية إلى جانب التأثيرات الوافدة في الواحة.
وتبدو أهمية الكشف الأحدث في أنه لا يضيف مقبرة جديدة فقط، بل يجمع داخل بناء واحد بين عمارة مصرية، ونصوص جنائزية مصرية، ومرثية يونانية، وشواهد من العصر الروماني.
ولذلك تبقى بئر الشغالة واحدة من المواقع التي لا تروي قصة الموت وحده، بل تكشف ملامح مجتمع كامل عاش في مدينة موط وترك خلفه طبقات من التاريخ ما زالت الحفائر تعيد قراءتها.
اقرأ أيضا
ضم مبنى وتوسعة الطريق.. تحركات جديدة لتجهيز المستشفى الجامعي بالخارجة

