تكتسب قضية حماية البيئة في مصر أبعادًا حقوقية ونفسية وإستراتيجية متزايدة مع التحديات المناخية والسلوكية المعاصرة، مما يبرز الحاجة الملحة إلى إنشاء شرطة بيئية متخصصة. يمثل هذا المقترح خطوة فارقة لفرض سيادة القانون البيئي، وحماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، والارتقاء بجودة الحياة للمواطنين.
تتجسد الأهمية القصوى للشرطة البيئية في رصد المخالفات لحظيًا وردع المتجاوزين في مجالات عدة؛ مثل التلوث الهوائي، والمائي، وإلقاء المخلفات الصلبة، وتجريف الأراضي والتشويه العمراني.
ومما لا شك فيه أن هناك أيضًا فوائد تعود على الدولة بإنشاء شرطة بيئية على رأسها تعزيز تطبيق القوانين البيئية، تقليل حجم الأضرار البيئية التي تكلف الدولة المليارات لمعالجتها وتصحيح التشوهات البيئية التي عزلت المواطن عن محيطه، ودعم التعهدات الدولية لمكافحة تغير المناخ، فضلًا عن رفد خزينة الدولة بغرامات المخالفين بما يحقق الردع المطلوب. أما بالنسبة للمواطنين، فإن توفير بيئة صحية ونظيفة للمواطنين، والحد من الأمراض الناجمة عن التلوث، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الموارد البيئية العامة من شأنه تأمين بيئة نظيفة مستدامة لهم وللأجيال القادمة.
ويتطلب نجاح هذا الجهاز تصميمه ضمن هيكل مؤسسي مرن يتبع تنظيميًا وزارة الداخلية لضمان كفاءة العناصر الأمنية والقدرة على التدخل الفوري، مع التنسيق الفني الكامل مع وزارة البيئة لتوفير الدعم العلمي والمعملي. ولتمكين هذا الجهاز من أداء مهامه بفاعلية، يجب منح أفراده صفة الضبطية القضائية (في حالة تبعيته لجهة أخرى خلاف وزارة الداخلية) لتحرير المحاضر الفورية للمخالفين، وإحالتهم للجهات المختصة دون إبطاء.
ولا تُعتبر فكرة الشرطة البيئية جديدة، إذ توجد نماذج دولية رائدة يمكن الاسترشاد بها مثل الشرطة البيئية في كوريا الجنوبية التي ساهمت بشكل جذري في خفض معدلات التلوث المدني والصناعي بفضل الصلاحيات الواسعة الممنوحة لها. بالإضافة إلى شرطة الغابات والبيئة في فرنسا (OFB) المتخصصة في حماية التنوع البيولوجي، ومراقبة المحميات الطبيعية، ومكافحة الجرائم البيئية بحرفية عالية.
إن تعالي الأصوات الواعية بخطورة المشكلات البيئية في مصر على الصحة الجسدية والنفسية وعلى القطاعات الاقتصادية المختلفة تجعل من إنشاء شرطة بيئية في مصر أمرًا حتميًا وليس رفاهية، بل هو ضرورة وطنية ملحة لحماية حقوق المواطن في وطن آمن ولتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر المستقبلية.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

