أفرزت انتخابات الكنيست الإسرائيلي لعام 2026 مشهدًا سياسيًا يتجاوز في دلالاته مسألة توزيع المقاعد بين الأحزاب المتنافسة وهوية الفائز أو الخاسر، ليعكس تحولات أعمق في بنية النظام السياسي الإسرائيلي واتجاهات الرأي العام وتوازنات القوى داخل المجتمع والدولة.
وتكتسب هذه الانتخابات أهميتها من كونها جاءت في لحظة إقليمية وأمنية استثنائية، كان من المتوقع أن تدفع الناخب الإسرائيلي نحو إعادة الاصطفاف السياسي أو الالتفاف حول قيادة موحدة. إلا أن النتائج أظهرت مسارًا مختلفًا، حيث بدت الانقسامات البنيوية أكثر رسوخًا من الضغوط الأمنية، فيما واصلت التحولات الأيديولوجية داخل المعسكر الصهيوني إعادة تشكيل موازين القوة والتأثير. وفي هذا السياق، تكشف الانتخابات ثلاث رسائل استراتيجية رئيسية تساعد في فهم اتجاهات السياسة الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة.
أولًا: “اللا حسم” السياسي بوصفه انعكاسًا لترسخ الانقسام البنيوي
أعادت الانتخابات تكريس ظاهرة “اللا حسم السياسي” التي أصبحت إحدى السمات الأكثر رسوخًا في الحياة السياسية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة. فعلى الرغم من تصدر حزب الليكود للمشهد الانتخابي، فإنه لم يتمكن من تأمين أغلبية حاكمة مستقرة، كما أخفقت قوى المعارضة بدورها في بلورة بديل قادر على حسم المنافسة وتشكيل حكومة تتمتع بأغلبية مريحة.
ولا تبدو هذه الحالة مجرد نتيجة لتوازنات انتخابية عابرة أو لأداء حزبي ظرفي، بل تعكس انقسامات بنيوية داخل المجتمع الإسرائيلي. فالعجز المتكرر عن إنتاج أغلبية حاكمة واضحة يكشف عن تباينات عميقة تتعلق بقضايا الهوية والدين والأمن ومستقبل الدولة، وهي قضايا باتت تعيد تشكيل الانتماءات السياسية والانتخابية بصورة تفوق تأثير الاعتبارات الحزبية التقليدية.
ومن ثم، لا تكمن أزمة النظام السياسي الإسرائيلي في غياب الفائز الانتخابي بقدر ما تتمثل في عجز أي معسكر عن تحويل تفوقه النسبي إلى أغلبية مستقرة وقادرة على الحكم. وهو ما يرجح استمرار الاعتماد على ائتلافات واسعة ومتعددة الأطراف، تتسم بدرجات مرتفعة من الهشاشة السياسية والتجاذبات الداخلية، وتبقى فيها إدارة التوازنات الائتلافية شرطًا أساسيًا لاستمرار الحكم واستقراره.
ثانيًا: الصهيونية الدينية من «فاعل حزبي» إلى تيار ونفوذ أيديولوجي عابر للأحزاب
تكشف نتائج الانتخابات أن تأثير الصهيونية الدينية لم يعد مرهونًا فقط بحجم تمثيل أحزابها داخل الكنيست، بل أصبح مرتبطًا بمدى انتشار أفكارها ومقولاتها السياسية داخل قطاعات أوسع من المعسكر الصهيوني، ولا سيما داخل اليمين الإسرائيلي.
فعلى الرغم من أن بعض الأحزاب المحسوبة على هذا التيار لم تحقق مكاسب انتخابية كبيرة، فإن حضورها الفكري والسياسي بدا أكثر اتساعًا من خلال تبني قوى يمينية مختلفة مواقف أقرب إلى رؤى التيار الديني القومي بشأن الاستيطان والضفة الغربية والهوية اليهودية للدولة.
ويشير ذلك إلى أن الصهيونية الدينية انتقلت تدريجيًا من فاعل حزبي إلى تيار مرجعي تتجاوز تأثيراته حدود تمثيله البرلماني، عبر اندماج أفكاره في البنية الفكرية والسياسية للمعسكر اليميني الأوسع. ومن ثم، فإن استمرار السياسات المرتبطة بالتشدد الأمني والتوسع الاستيطاني وتعزيز البعد اليهودي للدولة قد لا يكون مرتبطًا مستقبلًا بحجم تمثيل أحزاب الصهيونية الدينية نفسها، بقدر ارتباطه بمدى تغلغل أفكارها داخل التيارات الرئيسية في اليمين الإسرائيلي.
وعليه، فإن الانتخابات تعكس اتجاهًا متصاعدًا نحو تحول الصهيونية الدينية من ظاهرة حزبية إلى إطار أيديولوجي مؤثر في مسار جزء متزايد من السياسة الإسرائيلية.
ثالثًا: الحرب لم تعد منتجة للإجماع السياسي
أوضحت نتائج الانتخابات أن الحرب والتحديات الأمنية لم تعد قادرة على إنتاج إجماع سياسي واسع كما كان يحدث في مراحل سابقة.
فالحرب لم تدفع الناخبين الإسرائيليين إلى الاصطفاف خلف قيادة واحدة أو معسكر سياسي بعينه، بل استمرت الانقسامات حول إدارة العمليات العسكرية والعلاقة مع الولايات المتحدة ومستقبل قطاع غزة وترتيبات “اليوم التالي”. كما أظهرت أن الاعتبارات السياسية والأيديولوجية ظلت حاضرة بقوة في توجيه السلوك الانتخابي، بما حدّ من قدرة العامل الأمني على إعادة تشكيل الخريطة السياسية الداخلية.
وتشير هذه النتائج إلى تراجع فاعلية ظاهرة “الالتفاف حول القيادة زمن الحرب”، والتي لطالما شكّلت أحد محددات السلوك السياسي في أوقات الأزمات الأمنية. فبدلًا من أن تؤدي الحرب إلى تقليص الفجوات بين المعسكرات السياسية، كشفت الانتخابات عن محدودية قدرتها على إعادة تشكيل الاصطفافات السياسية أو تجاوز الانقسامات القائمة.
ومن المرجح أن تفرض هذه المعطيات قيودًا إضافية على أي حكومة مقبلة، إذ ستظل مطالبة بالتعامل مع تحديات أمنية خارجية في ظل استمرار الاستقطاب السياسي الداخلي، الأمر الذي قد يُضعف قدرتها على بناء توافقات وطنية واسعة بشأن القضايا الاستراتيجية الكبرى.
المحصلة، تشير انتخابات 2026 إلى أن إسرائيل لا تواجه مجرد تحدي تشكيل حكومة جديدة، بل تعكس واقعًا سياسيًا أكثر تعقيدًا يتمثل في ترسخ الانقسام البنيوي داخل المجتمع، وصعوبة إنتاج أغلبية حاكمة مستقرة، وتزايد تأثير التيارات الأيديولوجية العابرة للأطر الحزبية التقليدية. كما أظهرت النتائج أن الحرب، رغم مركزيتها، لم تعد قادرة على إنتاج إجماع سياسي واسع أو إعادة توحيد المشهد الداخلي كما كان الحال في مراحل سابقة.
ومن ثم، فإن التحدي الرئيسي أمام إسرائيل خلال السنوات المقبلة لن يقتصر على تشكيل ائتلاف حكومي يحظى بالأغلبية البرلمانية، بل سيتعلق بقدرة النظام السياسي نفسه على إدارة الانقسامات البنيوية المتراكمة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

