اشتبكت الشرطة مع عشرات الآلاف من المتظاهرين في مدن فرنسية متفرقة يوم السبت، في موجة تعد من أعنف الاضطرابات التي تشهدها البلاد منذ سنوات، وذلك على خلفية تصاعد تكاليف المعيشة وتراجع كفاءة الخدمات العامة.
وأفادت وزارة الداخلية باعتقال قرابة 272 شخصا بحلول منتصف فترة ما بعد الظهر، عقب وقوع أعمال عنف شارك فيها ملثمون في العاصمة باريس، ومدينة مرسيليا في الجنوب، ورين في الشمال الغربي، وتولوز في الجنوب الغربي، إلى جانب أنجيه في الغرب، في حين أضرم محتجون النيران في مكتب سياحي داخل مدينة ليون في شرق وسط البلاد.
وأوضحت الوزارة أن “هذه الأعمال تشمل محاولات النهب، والمواجهات مع قوات إنفاذ القانون، وإشعال النيران في أثاث الشوارع، واستهداف مراكز السلطة ووسائل الإعلام”، محملة المسؤولية عما جرى لتيار “اليسار المتطرف”.
اتساع رقعة المواجهات في احتجاجات فرنسا
انطلقت شرارة الغضب خلال سبتمبر الماضي من داخل المدارس الثانوية في الضواحي الشمالية الفقيرة للعاصمة باريس، حيث تحولت حالة الاستياء من عجز المعلمين وتهالك المرافق إلى حركة احتجاجية واسعة تركز على قضايا الإنفاق العام ومستويات المعيشة والعدالة الاجتماعية.
وعبرت إحدى المشاركات في التظاهرات داخل باريس، عن دوافعها للنزول قائلة: “نحن نقاتل لأن تكلفة المعيشة باهظة للغاية، ولأن سعر الوقود مرتفع للغاية، ولأن تلاميذ المدارس الثانوية يتعرضون لهجمات عنيفة ويتعرضون للأذى في جميع أنحاء البلاد لمجرد محاولتهم الاحتجاج والمطالبة بمزيد من المعلمين وظروف تعليمية لائقة”.
وشهد قلب العاصمة باريس انتشارا أمنيا كثيفا تركز بمحاذاة معالم رئيسية مثل شارع الشانزليزيه وقوس النصر بعد عزلهما عن مسار مظاهرتين حائزتين على تصريح رسمي، في وقت أغلق فيه محتجون يرتدون سترات عاكسة للضوء عددا من الطرقات استعادة لمشاهد حراك السترات الصفراء.
وفي مرسيليا، أعلن رئيس البلدية تعرض مبنى البلدية للتخريب، مؤكدا إرسال تعزيزات أمنية إضافية إلى المدينة إثر مشاورات مع رئيس الوزراء ووزير الداخلية، في حين رُصدت مسيرة ضمت قرابة 100 شخص توجهت صوب موقع التجمع الرئيس وهم يرددون هتاف: “كل رجال الشرطة أوغاد”، وفقا لما نقلته “رويترز” عن شاهد عيان.
تعثر اقتصادي في ظل احتجاجات فرنسا
يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي وجه دعوة إلى الهدوء يوم الجمعة، المرحلة الختامية من ولايته الرئاسية في ظل مشهد سياسي منقسم وضغوط اقتصادية متصاعدة؛ إذ أخفقت مساعي خفض الدين العام في استعادة ثقة المستثمرين، ما قاد تكاليف الاقتراض الحكومي إلى تسجيل أعلى معدلاتها منذ ما يزيد على عقدين.
الجدل حول أداء الأمن خلال احتجاجات فرنسا
واجهت ممارسات عناصر الشرطة انتقادات حادة عقب وقوع إصابات بين صفوف المحتجين، كان من بينها فقدان فتى في سن المراهقة ليده بعد التقاطه قنبلة صوتية، في حين صرح رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو بأن أكثر من 900 عنصر أمن أصيبوا كذلك خلال احتجاجات سابقة.
وتباشر هيئة الرقابة على الشرطة تحقيقات تشمل ما لا يقل عن 20 ادعاء بارتكاب أعمال عنف من جانب عناصر الأمن، في وقت سمح فيه وزير الداخلية لوران نونيز باستخدام القنابل الصوتية يوم السبت، رغم تجميد استخدامها في أوقات سابقة خلال المسيرات الطلابية.
عودة رمزية السترات الصفراء إلى احتجاجات فرنسا
أسهمت الدعوات المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي في استقطاب قدامى المشاركين في الحركات الاحتجاجية السابقة؛ ما عزز احتمالات اتساع رقعة المظاهرات، استحضارا لحراك السترات الصفراء الذي انطلق عام 2018 رفضا لرسوم الوقود قبل تحوله إلى حراك ضد غلاء المعيشة، والذي تراجع زخمه عقب إقرار ماكرون حزم تخفيضات ضريبية بمليارات اليورو.
وأوضح المدرس يانيك مايلو، القادم من بلدة لا كريش في غرب البلاد وأحد المشاركين في حراك السترات الصفراء، أن الاستعدادات شملت ترتيب نقاط تجمع متعددة على المستوى المحلي ليوم السبت بالتوازي مع تشجيع النقابات العمالية على الانخراط في المسيرات.

