ليس كل ما يوضع اليوم على قوائم المطاعم الفاخرة كان دائما طعاما للأثرياء، فبعض الأطعمة التي أصبحت مرتبطة بالرفاهية والموائد الراقية بدأت رحلتها من موائد الفقراء، أو كانت تعد طعاما رخيصا لا يلقى اهتمام الطبقات الأكثر ثراء، وفقا لموقع timesofindia.
ومع تغير طرق الإنتاج والتجارة وتوافر بعض الأطعمة، إلى جانب ندرة أنواع أخرى وتغير نظرة المستهلكين إليها، تبدلت مكانة عدد من المكونات، فأصبح بعضها يقدم اليوم باعتباره من الأطعمة الفاخرة.
الكركند.. من طعام الفقراء إلى طبق فاخر
من أشهر الأمثلة على تغير مكانة الطعام “الكركند” أو الـLobster، الذي ينظر إليه اليوم باعتباره من الأطباق البحرية الفاخرة.
لكن الأمر كان مختلفا تماما في أمريكا الشمالية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، عندما كان الكركند متوافرا بكثرة إلى درجة جعلته طعاما غير مرغوب فيه لدى بعض المستوطنين، كما كان يقدم للخدم والسجناء ويستخدم أحيانا كسماد.
وتشير مؤسسة Smithsonian إلى أن وفرة الكركند ساهمت في انخفاض قيمته آنذاك، قبل أن تتغير صورته تدريجيا، خصوصا مع تطور صناعة التعليب والنقل، وازدياد الطلب عليه، ليصبح لاحقا من الأطعمة التي ترتفع أسعارها في المطاعم.
المحار.. من مصدر بروتين رخيص إلى رفاهية
المحار أيضا مر برحلة مشابهة، إذ كان متاحا بكميات كبيرة، واعتمد عليه أفراد من الطبقات الأقل دخلا كمصدر رخيص للبروتين.
وبحسب تقرير نشرته Smithsonian Magazine، كان سكان المناطق الساحلية يجمعون المحار بسهولة، بينما كان وصوله إلى المناطق الداخلية أكثر صعوبة، ما جعله أكثر تكلفة بالنسبة إلى الطبقات الغنية هناك.
ومع مرور الوقت، أدى الإفراط في صيده وتراجع المخزون الطبيعي في بعض المناطق إلى زيادة ندرته، وأصبح المحار ينظر إليه باعتباره منتجا فاخرا.
الحلزون.. من طعام بسيط إلى طبق فرنسي فاخر
قد يبدو طبق الحلزون اليوم مرتبطا بالمطبخ الفرنسي الراقي، لكن تاريخه يكشف قصة مختلفة.
فبحسب Smithsonian، كان أفراد من الطبقات الدنيا والمتوسطة في روما القديمة يتناولون الحلزون الذي يجدونه في الحدائق، بينما اهتم الأثرياء بتربية أنواع منه بطريقة خاصة وإطعامها مكونات مثل التوابل والعسل والحليب.
ومع مرور القرون، ارتبط الحلزون بالمطبخ الفرنسي، وساهم تقديمه في موائد النخبة وانتشار وصفاته في المطاعم في ترسيخ صورته باعتباره من الأطعمة الفاخرة.
الكينوا.. غذاء تقليدي أصبح “سوبر فود”
لم تكن الكينوا في بدايتها منتجا فاخرا كما تقدم أحيانا اليوم، بل كانت جزءا أساسيا من غذاء شعوب جبال الأنديز، وخصوصا المجتمعات الأصلية في المنطقة.
وتوضح منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “FAO” أن الكينوا كانت من الأغذية الرئيسية لشعوب الأنديز منذ آلاف السنين، قبل أن تنتشر عالميا باعتبارها غذاء عالي القيمة الغذائية.
ومع ارتفاع الطلب العالمي عليها، ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة، وتشير وثيقة تابعة لـFAO إلى أن أسعار الكينوا تضاعفت بشكل كبير بين عامي 2006 و2013، وهو ما أثر أيضا في قدرة بعض المستهلكين المحليين في مناطق الأنديز على شرائها.
البوف بورغينيون.. وصفة الفلاحين التي وصلت إلى المطاعم الراقية
لم يقتصر التحول على مكونات بعينها، بل شمل أطباقا كاملة، ومن أشهر الأمثلة “Boeuf Bourguignon”، وهو طبق فرنسي يعتمد على طهي اللحم ببطء، وتعود فكرته إلى المطبخ الريفي، حيث كانت طرق الطهي البطيء وسيلة للاستفادة من قطع اللحم الأقل طراوة.
وتشير صحيفة The New York Times إلى أن هذه الوصفات ارتبطت تاريخيا بالطهي الشعبي، قبل أن تتحول لاحقا إلى أطباق تحظى بتقدير كبير في عالم الطهي، وأصبح إعدادها المتقن جزءا من قيمتها في المطاعم.
كيف يتحول “أكل الغلابة” إلى رفاهية؟
لا يحدث هذا التحول بسبب عامل واحد، فقد تلعب الندرة، وارتفاع الطلب، وتغير طرق النقل والتخزين، وتطور أساليب الطهي، وتغير الصورة الاجتماعية للطعام دورا في إعادة تحديد قيمته.
فالكركند، مثلا، انتقل من طعام متوافر بكثرة إلى منتج مرتفع السعر مع تغير ظروف السوق وزيادة الطلب، بينما ارتبطت بعض الأطعمة الأخرى بالمطابخ الراقية بعدما أعاد الطهاة تقديمها بطريقة مختلفة.
اقرأ أيضًا:

