أعاد ضعف الين الياباني وارتفاع عوائد السندات الحكومية في طوكيو فتح ملف الاستثمارات اليابانية الضخمة في الأصول الأمريكية، وسط مخاوف من أن يؤدي ارتفاع العائد المحلي إلى دفع المستثمرين اليابانيين لإعادة جزء من أموالهم إلى السوق المحلية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لسوق سندات الخزانة الأمريكية، في ظل امتلاك اليابان أكثر من تريليون دولار من السندات الحكومية الأمريكية، بحسب فايننشال تايمز، ما يجعل أي تحول كبير في اتجاه التدفقات اليابانية عاملًا مؤثرًا في أسعار السندات الأمريكية وتكاليف الاقتراض.
الين يقترب من أدنى مستوياته
وفي تقرير لمورجان ستانلي أوضح أن الين الياباني يتداول بالقرب من أضعف مستوياته منذ أكثر من ثلاثة عقود، رغم التدخل النادر والمنسق بين الولايات المتحدة واليابان لدعم العملة.
وتراجع الين إلى نحو 163 ينًا مقابل الدولار في 29 يوليو، قبل أن يرتفع بنحو 5% إلى 155 ينًا بعد التدخل في 31 يوليو، لكنه عاد إلى التراجع ليصل إلى نحو 159 ينًا للدولار في 18 أغسطس.
وأوضح التقرير أن التدخل لم يغير العوامل الأساسية التي تقف وراء ضعف العملة، مشيرة إلى أن تعزيز الين بشكل مستدام يتطلب إما خفض أسعار الفائدة الأمريكية أو تسريع تشديد السياسة النقدية من جانب بنك اليابان.
وبحسب البنك، فإن بنك اليابان قد يرفع سعر الفائدة من 1% حاليًا إلى 1.25% في أكتوبر ثم إلى 1.5% في مارس، مع إمكانية تقديم موعد الزيادة إلى سبتمبر.
ارتفاع عوائد السندات اليابانية يغير المعادلة
تزامن ضعف الين مع ارتفاع حاد في عوائد السندات اليابانية، إذ تجاوز عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات 3%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1996، بحسب فايننشال تايمز.
ويعني ارتفاع العائد على السندات اليابانية أن الأصول المحلية أصبحت أكثر جاذبية مقارنة بما كانت عليه خلال سنوات أسعار الفائدة شديدة الانخفاض، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم جدوى الاحتفاظ بأصول أجنبية، ومنها السندات الأمريكية.
وتشير فايننشال تايمز إلى أن هذا التحول قد يصبح أكثر أهمية بالنسبة لصناديق التقاعد وشركات التأمين على الحياة اليابانية، التي تملك استثمارات ضخمة في الخارج، مع ارتفاع العوائد المحلية وتغير حسابات المخاطر والعائد.
هل بدأ اليابانيون بالفعل التخارج من أمريكا؟
رغم المخاوف المتزايدة، لا تظهر البيانات المتاحة حتى الآن دليلًا على تخارج واسع من المستثمرين اليابانيين من الأصول الأمريكية.
ونقلت فايننشال تايمز عن جيمس لورد، الرئيس العالمي لاستراتيجية العملات الأجنبية في مورجان ستانلي، قوله إن المستثمرين اليابانيين ما زالوا يشترون “كميات كبيرة” من الأصول الأمريكية، وإن حجم هذه الاستثمارات لا يزال كبيرًا مقارنة بالمستويات التاريخية.
وقال لورد: “لم نشهد حتى الآن عودة كبيرة للأموال من قبل المستثمرين اليابانيين إلى الأصول المحلية”.
كما نقلت الصحيفة عن كاماكشيا تريفيدي، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية في جولدمان ساكس، أن التفكيك الهيكلي لتجارة الين الممولة سيأتي بالتزامن مع إعادة المستثمرين اليابانيين أموالهم من الأصول الأجنبية إلى الأصول المحلية، لكنه أشار إلى وجود القليل من الأدلة حتى الآن على تحول كبير في بيانات تدفقات المحافظ.
اليابان تبيع سنداتها المحلية.. وليس الأمريكية
وتقدم بيانات بلومبرج مؤشرًا مهمًا على اتجاه المستثمرين الأجانب، لكنها لا تعني تخارج اليابانيين من سندات الخزانة الأمريكية.
فقد أظهرت بيانات جمعية تجار الأوراق المالية اليابانية أن المستثمرين الأجانب سجلوا صافي مبيعات بقيمة 1.28 تريليون ين من السندات الحكومية اليابانية ذات آجال السنتين والخمس سنوات خلال يوليو، وهو أكبر صافي بيع منذ يوليو 2006.
وفي المقابل، سجل المستثمرون الأجانب صافي مشتريات بقيمة 889.8 مليار ين من السندات الحكومية اليابانية التي تتجاوز آجالها 10 سنوات.
وترى بلومبرج أن ضعف الين والتوقعات بتسريع بنك اليابان وتيرة رفع أسعار الفائدة لعبا دورًا رئيسيًا في تحركات سوق السندات اليابانية.
لماذا يهم ضعف الين سندات الخزانة الأمريكية؟
يربط تقرير مورجان ستانلي بين اتجاه الين وأسواق السندات العالمية، نظرًا إلى أن اليابان من أكبر حائزي سندات الخزانة الأمريكية.
ويكمن الخطر في أن ارتفاع أسعار الفائدة اليابانية وتراجع جاذبية التحوط من مخاطر العملة قد يدفعان المستثمرين اليابانيين إلى تقليص حيازاتهم من الأصول الأمريكية وإعادة الأموال إلى اليابان.
وفي هذه الحالة، فإن بيع سندات الخزانة الأمريكية سيضغط على أسعارها ويدفع عوائدها إلى الارتفاع، وهو ما يرفع بدوره تكاليف الاقتراض في الاقتصاد الأمريكي، من الرهن العقاري وقروض السيارات إلى تمويل الشركات.
وقال مورجان ستانلي إن ارتفاع أسعار الفائدة اليابانية قد يدفع المستثمرين اليابانيين إلى بيع الأصول الأمريكية وإعادة رؤوس أموالهم إلى الداخل، ما قد يؤدي إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة.
تجارة الين قد تكون قناة انتقال الأزمة
ترتبط أزمة الين أيضًا بما يعرف بـ”تجارة الين”، التي تعتمد على الاقتراض بالعملة اليابانية منخفضة التكلفة واستثمار الأموال في أصول ذات عوائد أعلى في دول أخرى.
ومع ارتفاع أسعار الفائدة اليابانية، تصبح هذه الاستراتيجية أقل جاذبية، وقد يبدأ المستثمرون في تقليص مراكزهم، ما قد يؤدي إلى عمليات بيع لأصول عالمية تم تمويلها بالين.
وقال مورجان ستانلي إن تجارة الين أصبحت أحد مصادر السيولة المهمة للأسواق العالمية، وإن تفكيكها قد يجبر المستثمرين الذين يستخدمون الرافعة المالية على خفض المخاطر، بما يزيد التقلبات في أسواق الأسهم والسندات والعملات.
وتشير فايننشال تايمز إلى أن مراكز المضاربة على فروق أسعار الفائدة في الين كبيرة، بينما لا تزال صفقة “بيع الين” واحدة من أفضل ثلاث صفقات مفضلة لدى مديري الصناديق العالميين، وفق أحدث استطلاع لبنك أوف أمريكا.
اقرأ أيضًا:
الفائدة الأمريكية على أعتاب زيادة جديدة.. ماذا ينتظر الدولار والذهب والأسواق؟
السندات الأمريكية تواجه ضغوطًا من أكثر من اتجاه
لا تأتي مخاطر ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية من اليابان وحدها، إذ أشارت فايننشال تايمز إلى أن أسواق السندات العالمية تتعرض لموجة بيع، بالتزامن مع ارتفاع توقعات التضخم وأسعار الطاقة وتزايد احتياجات الحكومات والشركات إلى الاقتراض.
وارتفع عائد السندات الأمريكية لأجل عامين إلى 4.5%، وهو أعلى مستوى منذ أوائل 2025، في الوقت الذي بلغ فيه عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات 3%.
كما أشارت الصحيفة إلى أن تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش المتشددة ساهمت في موجة بيع الديون العالمية، مع تسعير الأسواق لاحتمال يقارب الثلثين لرفع الفائدة الأمريكية في وقت لاحق من سبتمبر.
اقرأ أيضًا:
النفط يقترب من 100 دولار.. هل يدفع ارتفاع الخام أسعار الوقود في مصر؟
ارتفاع العوائد اليابانية قد يضغط على واشنطن
بحسب فايننشال تايمز، فإن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت حذر من أن اضطراب أسواق الين قد يؤدي إلى عمليات تصفية قسرية تزعزع استقرار الأسواق العالمية وترفع في النهاية تكاليف الاقتراض للأسر والشركات الأمريكية.
وتشير الصحيفة إلى أن اليابان هي أكبر حائز أجنبي لسندات الحكومة الأمريكية، بأكثر من تريليون دولار، معظمها مملوك لمؤسسات مالية.
وتتركز الأنظار على صناديق التقاعد وشركات التأمين اليابانية، إذ إن ارتفاع العوائد المحلية قد يجعل السندات اليابانية أكثر قدرة على منافسة السندات الأمريكية، خصوصًا إذا استمر بنك اليابان في رفع أسعار الفائدة.
هل نحن أمام تخارج ياباني من سندات الخزانة؟
حتى الآن، لا تشير التقارير إلى حدوث موجة تخارج واسعة من سندات الخزانة الأمريكية من جانب المستثمرين اليابانيين.
ويشير تقرير مورجان ستانلي إن المستثمرين اليابانيين ما زالوا يشترون كميات كبيرة من الأصول الأمريكية، بينما تشير فايننشال تايمز إلى عدم وجود أدلة واضحة حتى الآن على تحول كبير في تدفقات المحافظ من الخارج إلى الداخل.
لكن الخطر يكمن في المسار المستقبلي وليس في التخارج الذي حدث بالفعل؛ فكلما ارتفعت عوائد السندات اليابانية، واتسع الفارق لصالح الأصول المحلية، زادت احتمالات إعادة المستثمرين اليابانيين تقييم حيازاتهم الخارجية.
ومن ثم، فإن أزمة الين لا تمثل مجرد مشكلة للعملة اليابانية، وإنما قد تصبح قناة ضغط على سوق سندات الخزانة الأمريكية إذا تحولت إعادة توزيع المحافظ اليابانية من احتمال إلى تدفقات فعلية.
اقرأ أيضًا:

