السبت, أغسطس 8

قال خبراء اقتصاديون وبقطاع الطاقة إن ارتفاع أسعار النفط عالميًا يفرض ضغوطًا إضافية على فاتورة استيراد الطاقة في مصر، إلا أن تمرير هذه الزيادة إلى أسعار الوقود محليًا قد يؤدي إلى تداعيات تضخمية ومالية أكبر، ما يجعل تثبيت الأسعار الحالية أحد الخيارات المطروحة خلال الفترة المقبلة.

وأضافوا لـ”مصراوي” أن تأثير ارتفاع أسعار النفط على الموازنة لا يرتبط فقط بتكلفة الاستيراد، وإنما يمتد إلى التضخم وأسعار الفائدة، في وقت تتأثر فيه أسواق الطاقة بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

وكان أمين ماتي، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، قال إن تأثير أي زيادة في أسعار النفط على عجز الموازنة العامة يظل محدودًا، موضحًا أن ارتفاع سعر برميل النفط بمقدار 10 دولارات يؤدي إلى زيادة عجز الموازنة بنحو 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

وأضاف خلال مؤتمر صحفي أن حجم التأثير يعتمد على تحركات أسعار النفط وسعر الصرف، إلى جانب آلية المراجعة التلقائية لأسعار الوقود، التي تُطبق بشكل ربع سنوي.

وأشار ماتي إلى أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة انعكست على تقلبات أسعار النفط، وما ترتب عليها من تأثيرات على تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط دفع بعض الاستثمارات الأجنبية إلى الخروج من السوق المصرية قبل أن تعود مجددًا مع تراجع الأسعار.

وشهدت أسعار النفط تقلبات حادة منذ بداية العام، إذ تحرك خام برنت قرب 70 إلى 73 دولارًا للبرميل حتى نهاية فبراير 2026، قبل أن يقفز بأكثر من 50% عقب اندلاع الصراع في 28 فبراير، مع تصاعد المخاوف بشأن إمدادات النفط وحركة الملاحة في مضيق هرمز.

وبلغ خام غرب تكساس الوسيط ذروة عند 119.48 دولارًا للبرميل في مارس الماضي، فيما صعد خام برنت إلى نحو 138 دولارًا في أبريل، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2022، قبل أن تتراجع الأسعار تدريجيًا مع تحسن تدفقات الإمدادات وظهور مؤشرات على تهدئة التوترات.

ومع دخول مايو ويونيو، تراجعت حدة الارتفاعات، واستمرت الأسعار في الانخفاض خلال يوليو مع تحسن توقعات الإمدادات، فيما ظلت التطورات الجيوسياسية والمفاوضات بشأن التوترات في المنطقة عاملًا رئيسيًا في تحركات السوق.

وفي أحدث تعاملات الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس، ارتفع برنت بنحو 1.3% في ختام جلسة الجمعة إلى 83.55 دولارًا للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 78.18 دولارًا، مع استمرار تقلبات الأسعار بفعل التطورات المتعلقة بمضيق هرمز والتوترات الجيوسياسية.

اقرأ أيضًا:

رئيس بعثة صندوق النقد: تأثير ارتفاع أسعار النفط على عجز الموازنة المصرية يظل محدودًا

تثبيت أسعار الوقود الأقل ضررًا

وقال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن تثبيت أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية يعد القرار الأنسب والأقل ضررًا للحكومة في ظل الضغوط التي تواجه الموازنة العامة، رغم أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا يفرض تكلفة إضافية على الدولة.

وأوضح أن أي زيادة بنحو 10 دولارات في سعر برميل النفط تنعكس على الموازنة المصرية بزيادة في التكلفة تقدر بنحو 0.3%، وفقًا لما أشار إليه صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير، إلا أن تمرير هذه الزيادة إلى المستهلك من خلال رفع أسعار الوقود قد تكون له تداعيات اقتصادية أكبر.

وأضاف أن الحكومة أمام خيارين، الأول تحمل تكلفة دعم الوقود في الموازنة، والثاني تمرير الزيادة في تكلفة الطاقة إلى المواطنين من خلال رفع الأسعار، مشيرًا إلى أن الخيار الثاني قد يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم، بما قد يدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة.

وأشار أنيس إلى أن كل زيادة بنحو 1% في أسعار الفائدة قد تكلف الموازنة العامة نحو 100 مليار جنيه، وبالتالي فإن تحمل تكلفة إضافية قدرها 50 مليار جنيه، على سبيل المثال، قد يكون أقل ضررًا من تمرير الزيادة إلى المستهلك وما قد ينتج عنها من ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة.

وتابع أن استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن تداعيات الحرب في أوكرانيا والتوترات بين إيران والولايات المتحدة قد يدفع معدلات التضخم إلى مستويات مرتفعة، موضحًا أن تجاوز التضخم مستوى 18% قد يفرض ضغوطًا إضافية على البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة.

ورجح أن يكون تثبيت أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة هو الخيار الأقل ضررًا للموازنة والحكومة، مع امتصاص الزيادة في تكلفة الطاقة مؤقتًا ضمن موازنة العام الحالي، على أن يعاد تقييم الوضع خلال الفترة المقبلة وفقًا لتطورات أسعار النفط والتضخم.

ارتفاع النفط يرفع فاتورة واردات الطاقة

قالت شركة “سي آي كابيتال” للاستثمارات المالية إن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط والغاز عالميًا قد يرفع فاتورة مصر السنوية لاستيراد الوقود بنحو 26%، بما يعادل نحو 6 مليارات دولار، في ظل اعتماد البلاد على الاستيراد لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي.

وأضافت الشركة، في تقرير، أن كل زيادة محتملة في أسعار البنزين والسولار محليًا بنسبة 10% قد ترفع الحد الأدنى لمعدل التضخم بنحو 2.4%، متوقعة ارتفاع معدل التضخم في مصر إلى 16% على الأقل بنهاية العام المالي الحالي.

وأوضحت “سي آي كابيتال” أن مصر لا تزال تعتمد بشكل رئيسي على استيراد النفط والغاز الطبيعي لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي، ما يجعلها أكثر تأثرًا بتقلبات أسعار الطاقة العالمية، خاصة مع التوترات الجيوسياسية.

وأشارت إلى أنه خلال صدمة أسعار الطاقة في مارس الماضي، نتيجة تداعيات الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، ارتفع سعر خام برنت بنسبة 63%، بينما زادت أسعار الغاز الطبيعي المسال بنسبة 55%.

وبحسب تصريحات سابقة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ارتفعت الفاتورة الشهرية لاستيراد مصر من النفط والغاز الطبيعي خلال تلك الفترة بنسبة 108% و195% على التوالي.

وقالت سارة سعادة، كبيرة محللي الاقتصاد الكلي لدى “سي آي كابيتال”، في مقابلة مع قناة “العربية”، إن تأثير تقلبات أسعار الطاقة العالمية يظهر في ثلاثة محاور رئيسية، هي الميزان الخارجي والموازنة العامة والتضخم، مشيرة إلى أن التأثير الأكبر يكون على القطاع الخارجي، بينما يظل أثر ارتفاع أسعار النفط على الموازنة محدودًا.

وأضافت أن مصر تستورد نحو ثلث احتياجاتها من الطاقة، ما يجعل ارتفاع أسعار النفط والغاز ينعكس مباشرة على فاتورة الواردات، خاصة إذا صاحبت الزيادة ارتفاعات في تكاليف الشحن والتأمين نتيجة التوترات الجيوسياسية.

وأوضحت أن أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الموازنة العامة أصبح محدودًا في ظل الإصلاحات التي نفذتها الحكومة خلال السنوات الماضية، إلى جانب المراجعة الدورية لأسعار الوقود والكهرباء، بما يسمح بتمرير جزء من الزيادات في تكلفة الطاقة إلى المستهلك النهائي.

زيادة أسعار الكهرباء تأثيرها محدود على التضخم

وفيما يتعلق بالتضخم، توقعت “سي آي كابيتال” أن يكون تأثير الزيادة الأخيرة في أسعار الكهرباء محدودًا، لعدم انتقالها بصورة مباشرة إلى أسعار السلع والخدمات.

وأشارت إلى أن التأثير الأكبر على التضخم يرتبط بأي زيادات محتملة في أسعار السولار وباقي المحروقات المستخدمة في قطاعات النقل والأنشطة الاقتصادية.

وعلى صعيد السياسة النقدية، قالت “سي آي كابيتال” إن البنك المركزي المصري قد يسعى خلال الفترة المقبلة للحفاظ على أسعار فائدة حقيقية إيجابية تتراوح بين 4% و5%.

وأضافت أن استمرار التضخم فوق مستوى 15.5% قد يستدعي إعادة النظر في السياسة النقدية الحالية، مع زيادة احتمالات تشديد السياسة النقدية حال أدت التوترات الجيوسياسية إلى اضطرابات أوسع في سلاسل التوريد وارتفاع الضغوط التضخمية.

وتوقعت سارة سعادة أن يُبقي البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقرر يوم 20 أغسطس، مشيرة إلى أن السيناريو الأساسي لدى “سي آي كابيتال” لا يتضمن تعديلًا للفائدة.

وأوضحت أن أسعار النفط الحالية، التي تدور حول 85 دولارًا للبرميل، لا تستدعي حتى الآن إجراء مراجعة جديدة لأسعار الوقود المحلية، ما يقلل احتمالات تعرض التضخم لضغوط إضافية قد تستوجب تشديد السياسة النقدية.

صعوبة التنبؤ بأسعار الوقود

وقال حسن نصر، رئيس شعبة المواد البترولية، إنه من الصعب التنبؤ بمصير أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة، سواء بالزيادة أو الانخفاض أو الاستقرار، في ظل استمرار التغيرات والتذبذبات في أسعار النفط عالميًا.

وخلال مداخلة مع قناة “الشمس”، أضاف نصر أن هناك عددًا من العوامل الجيوسياسية والخارجية التي تؤثر على تكلفة المنتجات البترولية عالميًا، من بينها ارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين على السفن العاملة في منطقة الخليج العربي بنسب تتراوح بين 20% و25%.

وأوضح أن التحركات والتوترات السياسية والعسكرية على المستويين الدولي والإقليمي تنعكس بصورة مباشرة على أسعار خام البترول عالميًا، وهو ما يزيد من صعوبة تحديد اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة.

وأشار إلى أن قرار تسعير الوقود في مصر يعتمد على دراسات تجريها جهات وقطاعات متعددة بالدولة، في ضوء عدد من المحددات، من بينها أسعار خام البترول عالميًا، وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه، ومعدلات التضخم.

وأكد نصر أن القرار النهائي بشأن أسعار الوقود يصدر عن الجهات المعنية بالدولة، وفقًا للتطورات والمتغيرات الاقتصادية المختلفة.

وعن وضع سوق الوقود محليًا، قال إن السوق يشهد استقرارًا في الوقت الحالي، مع توافر المنتجات البترولية بمختلف أنواعها في جميع أنحاء الجمهورية دون وجود أي نقص.

اقرأ أيضًا:

هل تقود المخاطر الجيوسياسية موجة صعود جديدة في أسعار النفط؟

وكانت وزارة البترول والثروة المعدنية قد أعلنت في مارس الماضي تعديل أسعار عدد من المنتجات البترولية وغاز تموين السيارات، في ظل الظروف الاستثنائية التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية والتطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

وبحسب بيان الوزارة، ارتفع سعر بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيه للتر.

كما ارتفع سعر السولار من 17.5 إلى 20.5 جنيه للتر، وسعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية زنة 12.5 كجم من 225 إلى 275 جنيهًا، والأسطوانة زنة 25 كجم من 450 إلى 550 جنيهًا.

وشمل القرار رفع سعر غاز تموين السيارات من 10 إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب.

وأوضحت الوزارة في ذلك الوقت أن تعديل الأسعار جاء نتيجة التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدت إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد والإنتاج المحلي، إلى جانب زيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين واضطرابات سلاسل الإمداد.

وأكدت الوزارة استمرار جهودها لتعزيز الإنتاج المحلي وزيادة أعمال الاستكشاف وتنمية موارد مصر من البترول والغاز، مع تحفيز شركاء الاستثمار على التوسع في أنشطة البحث والإنتاج، بهدف تقليل فاتورة الاستيراد.

اقرأ أيضًا:

هل يدفع ارتفاع الطلب النفط للصعود بعد وقف الحرب الإيرانية؟ خبراء يجيبون

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version