قال خبراء اقتصاديون إن تصاعد التوترات العسكرية خلال أغسطس قد يبقي أسعار النفط تحت ضغوط صعودية، مدفوعة بالمخاوف من اضطراب الإمدادات وحركة الشحن عبر الممرات البحرية، إلا أنهم استبعدوا تكرار القفزات القياسية التي كانت متوقعة مع بداية الحرب، في ظل اتجاه الدول إلى تنويع مصادر الطاقة، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، والبحث عن مسارات بديلة لنقل الخام.
وأضافوا لـ”مصراوي” أن اتجاه أسعار النفط خلال الفترة المقبلة سيظل مرهونًا بدرجة تصاعد العمليات العسكرية ومدى تأثر الملاحة في مضيق هرمز، أكثر من ارتباطه بعوامل العرض والطلب التقليدية.
وأغلقت أسعار النفط تعاملات الأسبوع على ارتفاع، إذ صعد خام برنت بنسبة 1.21% ليصل إلى 87.93 دولارًا للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 1.29% إلى 84.67 دولارًا للبرميل.
وبحسب وكالة رويترز، ارتفع خام برنت بأكثر من 24% خلال يوليو، مسجلًا أقوى أداء شهري منذ مارس، بعدما عززت المخاوف من تعطل تدفقات النفط العالمية اتجاه الأسعار للصعود، في ظل تقارير عن اضطرابات بحركة الناقلات عبر مضيق هرمز، إلى جانب استمرار محدودية الملاحة في المنطقة.ك
لماذا تترقب الأسواق تطورات مضيق هرمز؟
ويرى خبراء أن أي تصعيد عسكري جديد في المنطقة ينعكس سريعًا على أسعار النفط، ليس بسبب تراجع الإنتاج الفعلي فقط، وإنما نتيجة ارتفاع المخاوف من تعطل سلاسل الإمداد وحركة الشحن، وهو ما يدفع المتعاملين إلى تسعير المخاطر بصورة استباقية.
وبحسب رويترز، أصبحت الأسواق تركز بصورة أكبر على تطورات حركة الشحن في مضيق هرمز أكثر من التطورات العسكرية ذاتها، إذ يرى محللون أن استمرار تدفق الناقلات يمثل العامل الأكثر تأثيرًا في اتجاه الأسعار خلال المرحلة الحالية.
كما أشارت الوكالة إلى أن علاوة المخاطر الجيوسياسية لا تزال حاضرة في السوق، بالتزامن مع انخفاض مخزونات الخام الأمريكية إلى مستويات تعد من الأدنى منذ سنوات، وهو ما يزيد من حساسية الأسعار تجاه أي اضطراب جديد في الإمدادات.
وقال وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، إن الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط ترتبط في الأساس بالمضاربات الناتجة عن التوترات العسكرية والتصريحات السياسية، أكثر من ارتباطها بعوامل العرض والطلب الفعلية، موضحًا أن صعود الأسعار إلى مستويات تقارب 90 دولارًا للبرميل جاء نتيجة مخاوف الأسواق من تطورات الأوضاع الجيوسياسية، وليس بسبب زيادة حقيقية في الطلب العالمي على الخام.
وأضاف أن سوق النفط لا يواجه حاليًا أزمة في المعروض بقدر ما يواجه ضعفًا في الطلب العالمي، مشيرًا إلى أن العديد من الدول نجحت بالفعل في تأمين احتياجاتها النفطية لفترات مقبلة، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث نقص فعلي في الإمدادات خلال المدى القريب.
ورجح النحاس أن تشهد الأسواق حالة من التقلبات خلال أغسطس، في ظل استمرار المخاوف من اتساع رقعة التوترات العسكرية في المنطقة، سواء على صعيد الخليج أو البحر الأحمر أو شمال أفريقيا، لافتًا إلى أن هذه التطورات قد تدفع المستثمرين إلى رفع علاوة المخاطر على النفط، بما ينعكس على حركة الأسعار حتى في غياب أي اضطرابات فعلية بالإمدادات.
وأشار إلى أن استخدام ملف الطاقة أصبح أحد أدوات الضغط السياسي في ظل التوترات الراهنة، محذرًا من أن استمرار التصعيد قد يعيد الضغوط التضخمية عالميًا إذا واصلت أسعار النفط الارتفاع، مؤكدًا أن العامل الأكثر تأثيرًا في السوق خلال الفترة الحالية هو المخاطر الجيوسياسية، وليس أساسيات العرض والطلب.
هل يصل النفط إلى 100 دولار؟
وقال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن استمرار العمليات العسكرية لفترة أطول قد يدفع أسعار النفط إلى العودة لمستوى 100 دولار للبرميل، لافتًا إلى أن عددًا من المؤسسات الدولية بدأ بالفعل في رفع توقعاته للأسعار حال استمرار التوترات وتأثر الإمدادات.
وأوضح معطي أنه لا يتوقع وصول الأسعار إلى المستويات القياسية التي جرى الحديث عنها في بداية الحرب، مثل 150 أو 200 دولار للبرميل، موضحًا أن الأسواق والدول أصبحت أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات الجيوسياسية مقارنة ببداية التصعيد.
وأشار إلى أن العديد من الدول اتجهت خلال الأشهر الماضية إلى تنويع مصادر الطاقة، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، والبحث عن مسارات بديلة لنقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، وهو ما يحد من احتمالات حدوث قفزات سعرية حادة، رغم استمرار تأثير أي اضطرابات في المضيق على السوق العالمية.
وأضاف أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في حال استمرار التوترات يتمثل في بقاء أسعار النفط قرب مستوى 100 دولار للبرميل أو تجاوزه بشكل محدود، أما الوصول إلى مستويات استثنائية فيظل مرهونًا بتطورات أكبر تؤدي إلى تعطل واسع وممتد للإمدادات العالمية.
اقرأ أيضًا:
وسط تهديدات البحر الأحمر.. أرامكو توسع شحنات النفط عبر مصر
ماذا تتوقع المؤسسات العالمية لأسعار النفط؟
وفي السياق ذاته، حذرت شركتا إكسون موبيل وشيفرون، بحسب رويترز، من استمرار الضغوط على أسواق الوقود العالمية خلال النصف الثاني من العام، في ظل محدودية إمدادات الديزل والمنتجات المكررة واستمرار تأثير الحرب على قطاع الطاقة.
وأكد مايك ويرث، الرئيس التنفيذي لشركة شيفرون، أن أسعار المنتجات البترولية قد تظل تحت ضغوط تصاعدية حتى الربع الثالث وربما بعده، فيما شدد الرئيس التنفيذي لإكسون، دارين وودز، على أن استئناف حركة الشحن الطبيعية عبر مضيق هرمز يمثل عنصرًا أساسيًا لاستقرار سوق النفط العالمية.
وتزامن ذلك مع رفع عدد من المؤسسات العالمية توقعاتها لأسعار النفط حال استمرار التوترات، إذ رفعت شركة رابيدان إنرجي جروب، بحسب بلومبرج، توقعاتها لخام برنت إلى نحو 100 دولار للبرميل خلال الربع الرابع، بينما رجح جولدمان ساكس إمكانية تجاوز الأسعار 120 دولارًا إذا استمرت الاضطرابات.
وفي السيناريو الأكثر تشددًا، توقع بنك باركليز، وفقًا لرويترز، أن تلامس الأسعار 150 دولارًا للبرميل إذا استمر تعطل الملاحة في مضيق هرمز لمدة ثلاثة أشهر متواصلة، مؤكدًا أن مدة الأزمة ستظل العامل الحاسم في تحديد اتجاه أسعار النفط خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضًا:
من 80 إلى 150 دولارًا.. كيف ترى المؤسسات العالمية مستقبل أسعار النفط بعد عودة التوترات؟
كيف تبدو توقعات الطلب العالمي؟
وفي المقابل، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يظل نمو الطلب العالمي على النفط محدودًا خلال عام 2026، رغم بدء تعافيه تدريجيًا مع انحسار اضطرابات الإمدادات وعودة جزء من حركة التجارة عبر مضيق هرمز.
وخفضت الوكالة، في تقريرها الشهري الصادر في يوليو، توقعاتها لانخفاض الطلب العالمي إلى نحو مليون برميل يوميًا خلال 2026، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.1 مليون برميل يوميًا، على أن يبلغ متوسط الاستهلاك العالمي 103.5 مليون برميل يوميًا.
ورجحت الوكالة أن يبدأ الطلب العالمي في تسجيل نمو خلال الربع الرابع من العام بنحو 1.2 مليون برميل يوميًا، مدفوعًا بارتفاع استهلاك الوقود خلال موسم السفر، وتعافي الطلب المؤجل، على أن يتسارع النمو إلى نحو مليوني برميل يوميًا في عام 2027، وإن ظل أقل من متوسطاته التاريخية.
وعلى جانب الإمدادات، توقعت وكالة الطاقة الدولية انخفاض المعروض العالمي بنحو 3.7 مليون برميل يوميًا خلال 2026 ليصل إلى 102.6 مليون برميل يوميًا، قبل أن يرتفع بنحو 7.5 مليون برميل يوميًا في 2027 إذا استمر تحسن الملاحة عبر مضيق هرمز واستعادت دول الخليج كامل طاقتها التصديرية.
كما أشارت الوكالة إلى أن أي تصعيد عسكري جديد في منطقة الخليج قد يعيد الضغوط على سوق النفط، ويهدد تعافي الإمدادات واستقرار الأسعار، مؤكدة أن استعادة التوازن الكامل للسوق العالمية ستظل مرهونة باستمرار انسياب حركة الناقلات والتوصل إلى تهدئة مستدامة في المنطقة.
اقرأ أيضًا:
هل يدفع ارتفاع الطلب النفط للصعود بعد وقف الحرب الإيرانية؟ خبراء يجيبون

