لا تنتهي آثار بعض أنواع العدوى بالضرورة مع اختفاء أعراض المرض، وقد تترك تغييرات طويلة الأمد في طريقة عمل الخلايا المناعية واستجابتها للمخاطر المستقبلية.
وتعليقا على ذلك، قال الدكتور مجدي بدران، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة، إن بعض أنواع العدوى يمكن أن تترك تغييرات طويلة الأمد في طريقة استجابة الجهاز المناعي، ما قد يؤثر في تعامله مع مسببات الأمراض التي يتعرض لها لاحقا.
وأوضح بدران في تصريحات لمصراوي أن هذه التغييرات لا تعني بالضرورة استمرار وجود الفيروس أو البكتيريا داخل الجسم، بل قد ترتبط بما يحدث داخل الخلايا المناعية نفسها، وكيف تتذكر بعض الخلايا المواجهات السابقة وتستعد للتعامل مع التهديدات المستقبلية.
كيف يتذكر الجهاز المناعي الأمراض السابقة؟
أوضح الدكتور مجدي بدران أن الجهاز المناعي يعتمد على آليتين رئيسيتين لمواجهة العدوى، هما المناعة الفطرية والمناعة التكيفية.
وتابع أن المناعة الفطرية تعمل بوصفها خط الدفاع الأول ضد مسببات الأمراض، بينما تعتمد المناعة التكيفية على خلايا متخصصة، من بينها الخلايا البائية والتائية، التي تستطيع تكوين ذاكرة مناعية تساعد الجسم على الاستجابة بصورة أسرع عند التعرض مجددا للمسبب المرضي نفسه.
وأضاف أن الذاكرة المناعية تمثل عنصرا أساسيا في حماية الجسم، إذ تستطيع الخلايا المناعية التي سبق لها التعرف على مسبب مرضي الاستجابة له بسرعة وفاعلية أكبر عند مواجهته مرة أخرى.
المناعة المدربة.. كيف يستمر أثر العدوى بعد التعافي؟
وأشار بدران إلى أن مراجعات علمية توضح أن بعض الميكروبات واللقاحات يمكن أن تحدث تغييرات في نشاط الخلايا المناعية الفطرية، وتؤثر في طريقة عمل الجينات والعمليات الأيضية داخلها.
وأوضح أن بعض هذه التغييرات يعرف باسم “التعديلات فوق الجينية”، وهي تغيرات تؤثر في نشاط الجينات دون أن تعني بالضرورة حدوث تغيير في تسلسل الحمض النووي نفسه.
وأضاف أن هذه التعديلات قد تجعل بعض الخلايا أكثر استعدادا للاستجابة لمحفزات لاحقة، حتى لو اختلف المسبب الجديد عن المسبب الذي أثار الاستجابة الأولى.
وأكد بدران أن هذا التأثير ليس واحدا في جميع الحالات، إذ قد تؤدي بعض المحفزات إلى تعزيز الاستجابة المناعية، بينما يمكن أن تؤدي محفزات أخرى إلى انخفاض الاستجابة عند التعرض المتكرر.
هل تجعل العدوى السابقة المناعة أقوى دائما؟
قال بدران إن التغيرات التي تتركها العدوى السابقة قد تكون مفيدة في بعض الظروف، لكنها قد تحمل آثارا غير مرغوبة في ظروف أخرى، ولذلك لا تعني بالضرورة أن المناعة تصبح أقوى دائما.
وأوضح أن الذاكرة المناعية تسهم في الحماية من تكرار العدوى أو الحد من شدتها عندما تساعد الجسم على التعرف على المسبب المرضي والتعامل معه بكفاءة.
وفي المقابل، أشار إلى أن فرط تنشيط المناعة المدربة قد يرتبط باستمرار الالتهاب، وأن دور هذه الآلية يخضع للدراسة في بعض الأمراض الالتهابية المزمنة، من بينها أمراض اللثة والتهاب المفاصل الروماتويدي وأمراض القلب والأوعية الدموية.
وشدد بدران على أن وجود ارتباط بين هذه الآليات وبعض الأمراض لا يعني أن الإصابة بعدوى سابقة ستؤدي حتما إلى الإصابة بأحدها، موضحا أن تطور الأمراض المزمنة يتأثر بعوامل عديدة، وأن تفاصيل العلاقة بين التغيرات المناعية والنتائج الصحية المختلفة لا تزال موضع بحث.
كيف تؤثر آثار العدوى في الاستجابة للأمراض المستقبلية؟
أوضح بدران أن التجارب المناعية السابقة يمكن أن تؤثر في طريقة استجابة الجسم عند التعرض لمسببات الأمراض أو اللقاحات لاحقا، لافتا إلى أن ذلك يظهر في التعامل مع بعض الفيروسات التي تتغير بمرور الوقت، مثل فيروسات الإنفلونزا وفيروس كورونا.
وأضاف أن المواجهات السابقة قد تؤثر في طبيعة الأجسام المضادة التي ينتجها الجسم عند التعرض لسلالات جديدة، وأن الذاكرة المناعية قد تساعد في الحماية من هذه السلالات، لكن مستوى الحماية يختلف بحسب درجة التشابه بين المسبب الجديد وما سبق للجهاز المناعي التعرف عليه.
وأكد أن الجهاز المناعي لا يبدأ من الصفر مع كل مواجهة، بل تتأثر استجابته جزئيا بالتجارب السابقة، دون أن يضمن ذلك الحماية الكاملة من الإصابة مستقبلا.
هل يمكن محو آثار الأمراض القديمة من المناعة؟
واختتم بالإشارة إلى أنه لا توجد وسيلة عامة معتمدة لمحو جميع آثار العدوى السابقة من الجهاز المناعي، مشيرا إلى أن هذه الآثار ليست ضارة بالضرورة، لأن الذاكرة المناعية تمثل إحدى أهم وسائل حماية الجسم من الأمراض.

