تصوير: حازم جودة
استضاف معهد «ثربانتس» الثقافي الإسباني بالإسكندرية، اليوم الأحد، ندوة فكرية وحوارية دولية بعنوان «أمريكا اللاتينية في المشهد الجيوستراتيجي»، وذلك على هامش فعاليات النسخة الرابعة عشرة من أسبوع الثقافة الإيبيروأمريكية، لمناقشة موقع القارة اللاتينية على الساحة الدولية واستشراف آفاق التعاون والشراكة مع دول حوض البحر المتوسط، بمشاركة نخبة من الدبلوماسيين والأكاديميين والمتخصصين في العلاقات الدولية والشأن الثقافي.
وافتتح اللقاء مدير معهد ثربانتس، جريجوريو لاسو، مؤكدًا حرص المعهد على أن تكون هذه الفعاليات مساحة تفاعلية مفتوحة للحوار المباشر وتبادل الرؤى حول القضايا الاستراتيجية.
وأدار الجلسة المستشار الثقافي لسفارة إسبانيا بالقاهرة، خوسيه أنطونيو سابديل، بمشاركة المدير التنفيذي لمؤسسة «آنا ليند» الأورومتوسطية، جوزيب فيرري، فيما قدم المحاضرة الرئيسية المؤرخ والمحلل السياسي الأرجنتيني الإسباني الدكتور كارلوس مالامود.
استهل الدكتور كارلوس مالامود حديثه بتحليل الواقع الداخلي لأمريكا اللاتينية، موضحًا أن القارة تعيش حالة من التشرذم السياسي تعوق قدرتها على بناء مواقف إقليمية موحدة أو التحدث بصوت مشترك إزاء النزاعات التجارية والدولية، في وقت يتصاعد فيه التنافس والاستقطاب بين واشنطن وبكين.
وأشار إلى أن فكرة «الوطن الأكبر» ظلت رمزية وطوباوية، بينما يتمثل الرابط الحقيقي بين شعوب القارة في اشتراكها في اللغتين الإسبانية والبرتغالية، إلى جانب المسار التاريخي المشترك منذ نيل الاستقلال.
وفصّل مالامود التحديات الراهنة في ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل الأزمة السياسية الناتجة عن تنامي الشعبوية والنزعات التسلطية، والأزمة الاقتصادية المرتبطة بالتفاوت الطبقي الحاد، وما وصفه بضعف العدالة الاجتماعية، فضلًا عن المعضلة الأمنية المتمثلة في توغل شبكات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، وما ترتب على ذلك من صعود برامج «القبضة الحديدية» في الحملات الانتخابية.
كما نبه إلى المخاطر المناخية المرتبطة بظاهرة «السوبر نينيو»، والتحديات الثقافية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، في ظل اعتماد خوارزمياته على اللغة الإنجليزية، بما قد يهدد الخصوصية الثقافية للمنظومة الإيبيروأمريكية.
وانتقل مالامود إلى استعراض مسار العلاقات بين أمريكا اللاتينية والعالم العربي والفضاء المتوسطي، موضحًا أنها تستند تاريخيًا إلى روابط إنسانية وهجرات شعبية وثيقة، أسهمت فيها الجاليات الشامية القادمة من لبنان وسوريا وفلسطين.
وأشار إلى مظاهر التمازج الاجتماعي والثقافي، ومنها انتشار مشروب «المتّة» الأرجنتيني في بلاد الشام، فضلًا عن الشراكات الاستثمارية والتمويلية الحديثة بين بنك التنمية لأمريكا اللاتينية ومنظمة «أوبك» وصناديق خليجية لدعم مشروعات البنية التحتية.
من جانبه، شدد جوزيب فيرري، المدير التنفيذي لمؤسسة «آنا ليند»، على أن البحر المتوسط يمثل فضاءً حضاريًا موحدًا تدعمه الجغرافيا والتاريخ المشترك والهوية غير المادية، لافتًا إلى أن مشروعات التبادل والتعاون الثقافي تظل من أكثر المبادرات تأثيرًا واستمرارًا في وجدان المجتمعات، مقارنة بالمبادرات المادية وحدها.
وكشف فيرري عن وجود خلل هيكلي في منظومة التبادل التجاري بمنطقة البحر المتوسط، موضحًا أن التجارة بين الدول الأوروبية تستحوذ على 90% من إجمالي التعاملات، بينما تقتصر المبادلات بين أوروبا ودول جنوب المتوسط على 9%، ولا تتجاوز التجارة البينية بين بلدان جنوب المتوسط 1%، ما يستدعي تحركًا لاستثمار الطاقات الاقتصادية غير المستغلة.
ودعا إلى معالجة الفجوة الديموغرافية من خلال ربط المجتمعات الأوروبية التي تعاني الشيخوخة بالطاقات الشبابية في جنوب وشرق المتوسط، وتوسيع التحالفات في مجالات الطاقة النظيفة ومواجهة التغير المناخي.
كما أعرب عن اعتزاز المؤسسة باتخاذ الإسكندرية مقرًا لأمانتها العامة، لخدمة الحوار المشترك بين 43 دولة، استنادًا إلى تاريخ المدينة الكوزموبوليتاني العريق.
وفي ختام المداولات، أكد المستشار الثقافي الإسباني خوسيه أنطونيو سابديل أن التمسك بمنظومة العمل الدولي متعدد الأطراف وسيادة القانون الدولي يمثل مصلحة استراتيجية ووجودية لأمريكا اللاتينية ودول المتوسط والاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن القانون الدولي يمثل ضمانة لحماية الدول المتوسطة والصغيرة أمام محاولات القوى العظمى فرض إرادتها المنفردة، مشيرًا إلى مكانة إسبانيا بوصفها جسرًا دبلوماسيًا يربط الفضاء الأورومتوسطي بالمحيط الإيبيروأمريكي.
من جانبه، أكد الدكتور كارلوس مالامود، في تعقيبه الأخير، أن الحفاظ على مصالح الدول النامية والمتوسطة في ظل التجاذبات الدولية يتطلب تبني استراتيجيات واقعية وبراغماتية تحافظ على القيم المشتركة، مستشهدًا بقاعدة مفادها أن الدول أمام خيارين: المشاركة في صنع القرار الدولي، أو الخضوع لقرارات القوى الكبرى.

