في قرية البشندي التابعة لمركز بلاط بمحافظة الوادي الجديد، تتجاور جدران الطوب اللبن مع أنوال صناعة السجاد اليدوي، في مشهد يلخص رحلة امتدت قرونًا، من آثار المصريين القدماء والرومان إلى مبادرات أهلية صنعت فرصًا للعمل، وأسهمت في تحويل الحرف التقليدية إلى نشاط اقتصادي يخدم أبناء القرية.
قرية “البشندي”
واليوم، تفتح البشندي فصلًا جديدًا في مسيرتها، بعدما اختارتها منظمة الأمم المتحدة للسياحة ضمن برنامج لتطوير القرى السياحية، لتصبح تجربتها في صناعة الكليم والحفاظ على التراث المحلي محورًا للاهتمام، وفرصة لتعزيز السياحة الريفية في الواحات.
آثار تروي حكاية الواحة
يرجع تاريخ المنطقة إلى عصور مصر القديمة، وفقًا للخبير الأثري بهجت إبراهيم، مدير آثار الوادي الجديد السابق، الذي أشار في تصريحات لموقع «مصراوي» إلى وجود مقابر ومصاطب ترتبط بعصر الدولة القديمة.
وتحتفظ قرية البشندي، التابعة لمركز بلاط، بمبانٍ تقليدية من الطوب اللبن ومواقع أثرية تشهد على تعاقب الحضارات التي مرت بالمنطقة.
وأشار الأثري محمد إبراهيم، مدير الآثار بالوادي الجديد حاليًا، في تصريحات لـ«مصراوي»، إلى وجود معبد يُنسب إلى عهد رمسيس التاسع، بينما تؤكد وزارة السياحة والآثار وجود مقبرة كيتانوس، حاكم المنطقة في القرن الأول الميلادي، داخل القرية.
وتصور جدران المقبرة مشاهد للتحنيط والحساب الأخروي وتقديم القرابين إلى أوزيريس وإيزيس، بما يعكس جوانب من المعتقدات الجنائزية والتقاليد الفنية التي سادت المنطقة خلال تلك الفترة.
اسم هندي وذاكرة إسلامية
ومع انتقال المنطقة إلى مراحل تاريخية لاحقة، ظهرت حكاية الاسم الذي تحمله القرية، والذي ارتبط، وفقًا للرواية الشعبية، بشخص يُدعى محمد الباشا هندي، قيل إنه جاء من الهند واعتنق الإسلام، ثم شيد مسجدًا بالمنطقة.
ويروي أحمد مسعود، الباحث في التراث الواحاتي، أن هذه الرواية تمثل أحد التفسيرات المتداولة لأصل تسمية البشندي.
وفي العصر العثماني، ارتبط المكان بمقام الشيخ البشندي، الذي تشير روايات محلية إلى بنائه باستخدام أحجار أثرية قديمة، وإلى استخدامه في تعليم القرآن الكريم واللغة العربية.
وتظل هذه التفاصيل جزءًا من الموروث الشفهي المتداول بين الأهالي، فيما يعكس وجود المقام والمواقع الأثرية تنوع الطبقات التاريخية والتراثية التي تميز مركز بلاط.
خمسة قروش صنعت البداية
وبعد قرون من تشكل ملامح القرية، جاءت نقطة تحول اجتماعية عام 1979، عندما تضامن السكان مع أسرة فقدت عائلها، وجمعوا تبرعات بسيطة لمساندتها، في تجربة أصبحت نموذجًا للمشاركة الأهلية التي مهدت لمبادرات تنموية لاحقة.
وقال خبير التراث الواحاتي محمود عبدربه إن هذه الروح التعاونية امتدت إلى مشروعات أخرى، من بينها تطوير الحرف اليدوية والاستفادة من الموارد المحلية.
وأضاف أنه في سبتمبر 1982، زارت بعثة من كلية الفنون التطبيقية قرية البشندي، بقيادة الدكتور حماد عبدالله حماد، لبحث إمكانية الاستفادة من الصوف المحلي في صناعة الكليم.
وفي أكتوبر 1983، اتجه الأهالي إلى تأسيس جمعية لتنمية المجتمع، وساهمت الأسر بمبالغ رمزية قُدرت بخمسة قروش من كل منزل، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل الجماعي الهادف إلى توفير فرص إنتاج ودخل لأبناء القرية.
بداية صناعة السجاد اليدوي
وأوضح عبدربه أنه في يناير 1984، وصلت إلى القرية ثلاثة أنوال ونحو 300 كيلوجرام من الصوف، لتبدأ عملية تدريب الشباب على صناعة الكليم ونسج السجاد اليدوي.
وفي فبراير من العام نفسه، زار المشروع محافظ الوادي الجديد آنذاك فاروق التلاوي، بينما شهد شهر يونيو بيع الإنتاج الأول، في خطوة عكست انتقال الفكرة من مرحلة التدريب إلى الإنتاج الفعلي.
وبحلول أكتوبر 1984، احتضنت نقابة المهندسين بمدينة الخارجة أول معرض رسمي للمنتجات، لتبدأ صناعة الكليم في الوصول إلى أسواق خارج مركز بلاط، ويبرز السجاد اليدوي باعتباره منتجًا يجمع بين مهارات الحرفيين والخامات المتاحة في البيئة المحلية.
من الأنوال إلى مشروعات متنوعة
وقال عبدالسلام سنوسي، رئيس جمعية تنمية المجتمع، في تصريحات لـ«مصراوي»، إن الجمعية حصلت على دعم من جهات كندية وألمانية لتطوير عمليات الغزل والصباغة وصناعة الكليم، مشيرًا إلى توسع نشاطها ليشمل أكثر من 20 مشروعًا، بينها تربية الماشية وتنقية المياه والزراعة.
وتحدث سنوسي عن مساهمة أهالي قرية البشندي في شركة لزراعة 200 فدان خلال فترة تولي اللواء محمد الزملوط منصب محافظ الوادي الجديد، معتبرًا أن مشاركة النساء والشباب كانت عنصرًا محوريًا في مسيرة التنمية.
وأضاف أن منتجات السجاد اليدوي وصلت إلى أسواق ومجموعات فنية خارج مصر، دون إتاحة قائمة تفصيلية بالمؤسسات التي اقتنتها.
وتوضح تجربة البشندي أن دعم الحرف التقليدية لا يقتصر على توفير أدوات الإنتاج، بل يحتاج أيضًا إلى تدريب مستمر، وتوافر الخامات، وتحسين جودة المنتجات، وفتح قنوات تسويق تضمن وصولها إلى الأسواق المناسبة.
ولهذا ارتبطت صناعة الكليم بمشروعات أخرى داخل الجمعية، وتداخل النشاط الزراعي مع العمل الحرفي، لتصبح الاستفادة من الموارد المحلية محورًا أساسيًا في تجربة التنمية التي شهدها مركز بلاط.
اعتراف دولي وفرصة لتطوير السياحة
في أكتوبر 2025، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للسياحة اختيار قرية البشندي ضمن 20 قرية لبرنامج «التطوير والارتقاء» لعام 2025، وهو برنامج يستهدف مساعدة القرى المختارة على معالجة جوانب القصور وتحسين مقومات السياحة الريفية.
ولا يعني هذا الاختيار حصول القرية على لقب «أفضل قرية سياحية»، بل انضمامها إلى برنامج يقدم الإرشاد الفني لدعم تطوير المقومات السياحية وتحسين الاستعداد لاستقبال الزوار.
وقال محسن عبدالمنعم يونس، مدير هيئة تنشيط السياحة بالوادي الجديد، إن المنازل التقليدية والآثار والحرف اليدوية تمنح القرية مقومات سياحية متنوعة، يمكن الاستفادة منها في تقديم تجربة تجمع بين التراث والتاريخ والحياة اليومية في الواحات.
لكن تحويل هذه المقومات إلى عائد اقتصادي مستدام يتطلب تطوير الخدمات السياحية، والحفاظ على المواقع التراثية، وتوسيع فرص تسويق الكليم والسجاد اليدوي، بما يضمن استفادة السكان من النشاط السياحي.
وهكذا تدخل البشندي مرحلة جديدة من مسيرتها؛ إذ لا يتوقف نجاح تجربتها عند الاعتراف الدولي، بل يرتبط بقدرتها على تحويل هذا الاهتمام إلى فرص عمل ودخل مستدام لأبنائها، مع الحفاظ على ذاكرتها التاريخية وتراثها الحرفي، لتظل نموذجًا لما يمكن أن تحققه المبادرات الأهلية حين تتكامل مع جهود التنمية.

