أثار الكشف عن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الدفع برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” جياني إنفانتينو لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، تساؤلات حول دوافع هذا الترشيح ومدى توافقه مع معايير الاستقلالية والحياد التي يفترض أن تحكم أعلى منصب في المنظمة الدولية، في ظل توترات متصاعدة بين واشنطن والأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العام، أن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الدفع برئيس “فيفا” جياني إنفانتينو لخلافة أنطونيو جوتيريش، الذي تنتهي ولايته في 31 ديسمبر المقبل، يُشكل من منظور القانون الدولي وإدارة المنظمات الدولية تطورًا بالغ الدلالة، يعكس توجهًا أمريكيًا مكشوفًا نحو السيطرة على أرفع منصب دولي في لحظة تاريخية حرجة بالغة التوتر.
3 عوامل وراء اختيار ترامب لإنفانتينو
وأوضح مهران، في تصريحات خاصة لـ”مصراوي”، أن ترامب يريد إنفانتينو تحديدًا لثلاثة عوامل متداخلة؛ أولها المكافأة الشخصية الصريحة، إذ بذل إنفانتينو جهودًا استثنائية لكسب ود ترامب وإشراكه في مونديال 2026، ومنحه أول جائزة سلام يمنحها “فيفا” في ديسمبر 2025، وهو ما يجعل ترشيحه، بحسب رؤيته، مكافأة سياسية على الولاء، وليس اختيارًا مهنيًا مبنيًا على الكفاءة الدبلوماسية.
وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في رغبة ترامب في التخلص من إرث جوتيريش، الذي وصف الضربات الأمريكية على إيران بأنها تنتهك القانون الدولي، وأدان السياسات الأمريكية في قضايا متعددة من غزة إلى المناخ، وهو ما جعل العلاقة بين البيت الأبيض ومقر الأمم المتحدة شبه منعدمة، مشيرًا إلى أن العامل الثالث يرتبط بكون إنفانتينو يرأس منظمة تضم 211 اتحادًا وطنيًا، أي أكثر من عدد دول الأمم المتحدة البالغ 193 دولة، ما يمنح ترامب ورقة ترويجية بأنه يختار شخصًا ذا حضور عالمي حقيقي.
وأضاف مهران أن البُعد اللبناني الذي اكتسبه إنفانتينو في فبراير 2026، بعد حصوله بمرسوم استثنائي من الرئيس جوزيف عون على الجنسية اللبنانية، رغم أن القانون اللبناني لا يُجيز للمرأة نقل جنسيتها لزوجها الأجنبي تلقائيًا، يُضيف معادلة توقيت إقليمي لافت في خضم ما تعيشه المنطقة من أحداث دراماتيكية.
وأكد أن اكتساب إنفانتينو الجنسيتين السويسرية والإيطالية، إضافة إلى الجنسية اللبنانية الجديدة، قد يطرح تساؤلات قانونية بشأن تعارض الجنسيات مع متطلبات الحياد الذي يُفترض أن يتمتع به الأمين العام للأمم المتحدة.
موافقة الصين وروسيا شرط أساسي
وأشار إلى أن المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن الأمين العام يُعيّن من قِبل الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن، وهو ما يعني قانونيًا أن ترشيح ترامب لإنفانتينو لن يمر إلا إذا وافقت روسيا والصين، اللتان تملكان حق النقض، وكلتاهما في خصومة مع واشنطن، ولن تقبلا مرشحًا تختاره إدارة ترامب منفردة.
وأوضح أن ذلك يجعل مآل هذا الترشيح عند الاختبار الحقيقي في مجلس الأمن مشكوكًا فيه، مؤكدًا أن الميثاق لا يشترط خبرة دبلوماسية بعينها، لكنه يُلزم الأمين العام بالاستقلالية التامة والحياد، وعدم طلب أو تلقي أي تعليمات من أي حكومة، وهو ما يرى أنه لا يتوافر في مرشح مدين بمنصبه لرئيس بعينه.
وشدد مهران على أن الرسالة الحقيقية من هذا الترشيح تتجاوز إنفانتينو شخصيًا، لتقول إن ترامب يريد أممًا متحدة تعمل بمنطق إدارة أحداث كروية كبرى، لا بمنطق القانون الدولي والمحاسبة والشرعية الدولية، محذرًا من أن فرض مرشح أمريكي على منصب كان التقليد فيه أن يذهب إلى مناطق العالم الأخرى، من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، سيُعمّق الأزمة التي تعانيها الأمم المتحدة، ويجعلها في نظر الجنوب العالمي أداة أمريكية، لا منظمة تمثيل دولي حقيقي.
علاقة ترامب بإنفانتينو قد تكون وراء ترشيحه للمنصب
ومن جانبه، أشار نعمان أبو عيسى، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، إلى أن «فيفا» وإنفانتينو نجحا في بناء علاقة قوية مع الرئيس الأمريكي، رغم أن المنتخب الأمريكي لم يكن من الفرق القوية في المونديال، موضحًا أن رئيس الاتحاد الدولي تمكن أيضًا من إقامة علاقات متعددة مع دول العالم التي تشارك في البطولات الرياضية الدولية.
وأضاف عضو الحزب الديمقراطي في تصريحات لـ”مصراوي”، أن إنفانتينو لعب دورًا في تخفيف حدة التوترات خلال المونديال، خاصة مع وجود رئيسة المكسيك ورئيس وزراء كندا، في ظل حساسيات قائمة بين ترامب وقادة البلدين.
وأوضح أن رئيس «فيفا» استطاع منح الرئيس الأمريكي أهمية باعتباره رئيس الدولة المضيفة للبطولة، رغم مشاركة دول أخرى في استضافة الحدث، مشيرًا إلى أن إنفانتينو تمكن من بناء علاقة ثقة مع ترامب، الذي يعتمد، بحسب قوله، على العلاقات الشخصية في إبرام الصفقات، معتبرًا أن طرح اسم إنفانتينو لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة قد يكون بمثابة «رد جميل» على الدور الذي لعبه رئيس «فيفا» في تعزيز العلاقات خلال المونديال.
الأمم المتحدة فقدت جزءًا من مصداقيتها
وتابع عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي أن الأمم المتحدة فقدت جزءًا من دورها ومصداقيتها، معتبرًا أنها فشلت في اتخاذ إجراءات فعالة تجاه ما وصفه بالإبادة الجماعية في غزة، إلى جانب ما اعتبره تجاوزًا للقانون في الحرب ضد إيران، مؤكدًا أن الأمم المتحدة مؤسسة دولية كبيرة ومعقدة، وتعتمد في عملها على مجلس الأمن وأعضائه، ولذلك لا يستطيع شخص واحد تحديد سياساتها بشكل منفرد.
وأشار إلى أن ترامب كان على خلاف مع الأمين العام الحالي للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، كما كان على خلاف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن عدد من الملفات المتعلقة بإسرائيل.
ترامب يريد تغييرًا في قيادة الأمم المتحدة
وأضاف أن الرئيس الأمريكي غير راضٍ عن أداء الأمين العام الحالي، ويرغب في إحداث تغيير، موضحًا أن تحقيق ذلك يتطلب دعم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، فضلًا عن إقناع بقية أعضاء المجلس والدول المعنية بهذا التغيير، الذي وصفه بأنه سيكون ذا تأثير كبير.
وأوضح أبو عيسى أن أحد دوافع ترامب قد يتمثل في رغبته في وجود قيادة عالمية أكثر ديناميكية وإيجابية، بدلًا من شخصية يراها بيروقراطية وتركز على الإجراءات والقوانين، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي قد يبحث عن أمين عام قادر على التعامل مع المتغيرات الدولية ومعالجة أوجه القصور الموجودة في النظام الدولي.
رغبة في تقريب إسرائيل من المجتمع الدولي
واختتم أبو عيسى تصريحاته بالإشارة إلى أن ترامب غير راضٍ عن موقف الأمم المتحدة تجاه إسرائيل، معتبرًا أن الرئيس الأمريكي قد يرغب في اختيار شخصية دبلوماسية قادرة على تقريب المواقف الدولية من إسرائيل، وفي الوقت نفسه دفع إسرائيل نحو الاقتراب من المواقف الدولية.
وفي ظل ما طرحه الخبيران، يبقى ترشيح إنفانتينو، حال تأكده رسميًا، محكومًا بمسارين متوازيين؛ الأول سياسي يتعلق بعلاقة ترامب برئيس «فيفا» ورؤيته لمستقبل قيادة الأمم المتحدة، والثاني قانوني ومؤسسي يرتبط بآلية اختيار الأمين العام، التي تمر عبر مجلس الأمن ثم الجمعية العامة، فضلًا عن متطلبات الاستقلالية والحياد التي تحكم شاغل المنصب.

