تتعامل الدوائر التقنية والسياسية في الصين مع التحذيرات الغربية بشأن المخاطر الوجودية للذكاء الاصطناعي، بوصفها رؤى بعيدة عن الواقع أو استراتيجية تسويقية قائمة على التخويف تهدف إلى كبح صعود الشركات الصينية ومنعها من تجاوز نظيراتها الأمريكية، في وقت يرى فيه صناع القرار في بكين أن أدوات السيطرة المادية قادرة على احتواء أي تمرد تكنولوجي على الفور.
وأوضحت صحيفة “نيويورك تايمز”، أن المخاوف التي تؤرق علماء وادي السيليكون من احتمال خروج الأنظمة الذكية عن السيطرة وشن حروب مدمرة أو تفجير قنابل نووية، تقابل في بكين بقناعة راسخة بإمكانية حسم الموقف بخطوات ميدانية حازمة.
تشمل هذه الخطوات قطع شبكات الكهرباء، وحظر الإنترنت، ومحاسبة المطورين، مدعومة بسجل أثبت قدرة الحزب الحاكم في الصين على إخضاع كبرى الأزمات والتقنيات للرقابة الصارمة، مثلما تجلى سابقا في إدارة الفضاء الرقمي وإغلاق مدن بكاملها وتتبع مئات الملايين خلال الجائحة.
أبعاد التشكيك الصيني في تحذيرات سلامة الذكاء الاصطناعي
فسرت الكاتبة التقنية المقيمة في وادي السيليكون والمتخصصة في التكنولوجيا الصينية أفرا وانج، حدود النظرة الرسمية في بكين، قائلة: “بإمكانهم قطع شبكة الكهرباء عن المدينة بأكملها على الفور. بإمكانهم الذهاب إلى أشخاص مختلفين لأخذ هواتفهم. لديهم قدر هائل من القوة في العالم المادي.. بالنظر إلى هذا القدر من السيطرة على شعبها، كيف يمكن إقناع الحزب بأن شيئا مثل الذكاء الاصطناعي الذي يعيش على جهاز كمبيوتر أمر مخيف؟”
وفي قراءة أكثر تشاؤما تسود وسائل الإعلام المحلية، ينظر إلى التحذيرات الأمريكية بوصفها حملة “تسويق قائم على الخوف” للحفاظ على الريادة السوقية.
وأكد الباحث السابق في تكنولوجيا التفاعل بين الإنسان والحاسوب وسلامة الذكاء الاصطناعي بجامعة “تسينجهوا” جي كاي، أن معظم العاملين في الأوساط الصناعية يتجاهلون هذه الهواجس الوجودية، مضيفا: “ما زلنا ننظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه في مرحلة مبكرة جدا. وينصب التركيز بشكل كامل على الفرص والابتكار”.
فروق ثقافية وفلسفية تحكم تحذيرات سلامة الذكاء الاصطناعي
تمتد أسباب التباين إلى المنطلقات الفلسفية، حيث يرى مدونون صينيون أن المخاوف الغربية من نهاية العالم ومحاسبة البشرية تستند إلى خلفيات مسيحية تشبه عقدة رواية “فرانكشتاين” للكاتبة ماري شيلي حول معاقبة الإنسان لمحاولته مضاهاة الخلق، وهي مفاهيم غريبة عن الثقافة الصينية التي تؤكد “وحدة السماء والإنسان” وتعد التكنولوجيا جزءا لا يتجزأ من الطبيعة.
وأوضح رئيس قسم سلامة الذكاء الاصطناعي والحوكمة في شركة “كونكورديا” الاستشارية ببكين ليانج فانج، أن الفكر الصيني ينظر للتقنية كشريك في التعايش وليس كقوة خارجية مدمرة، مشيرا إلى أن ظهور نماذج فائقة التطور مثل “ميثوس” أثار في الوقت نفسه قلقا داخليا دفع السلطات لإصدار توجيهات تحذر من خروج البرمجيات عن السيطرة، أو استغلالها في القرصنة وصناعة الأسلحة البيولوجية، مع صياغة قانون لمكافحة الجرائم الإلكترونية يلزم الشركات بمنع استخدام نماذجها في شن هجمات رقمية.
إجراءات تنظيمية ومخاوف داخلية
أصدرت بكين مؤخرا تحديثا لإطار حوكمة سلامة الذكاء الاصطناعي عكس هواجس تماثل مخاوف وادي السيليكون بشأن ظاهرة “التحسين الذاتي المتكرر” التي تمكن الأنظمة من تطوير نفسها ذاتيا.
وصرحت المسؤولة الرفيعة في إدارة الفضاء الإلكتروني الصينية وانج ليهونج، بأن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي جعلت الدفاعات التقليدية عتيقة، مؤكدة: “هناك حاجة ماسة إلى توخي الحذر الشديد بشأن مخاطر فقدان الذكاء الاصطناعي السيطرة بشكل كامل”.
وسبق أن رصد الباحث بان شيدونج وزملاؤه في جامعة فودان بشنغهاي عام 2024 قدرة نموذجين لغويين من شركتي “ميتا” و”علي بابا” على “التكاثر الذاتي”، معتبرا في مؤتمر متخصص أن الخطر لم يعد خيالا علميا.
ورغم فرض الصين متطلبات صارمة تلزم بتصنيف المحتوى وتسجيل النماذج واعتمادها رسميا، إلا أنها لا تفرض قانونا يلزم باختبار مخاطر الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية، كما تفتقر شركاتها للشفافية، حيث أظهر تقرير “كونكورديا” أن 5 شركات فقط من بين أكبر 10 شركات صينية نشرت نتائج تقييمات الأمان بين يونيو 2025 ومايو 2026 بتفاصيل وتكرار أقل بكثير من الشركات الأمريكية.
المواجهة الجيوسياسية حول الذكاء الاصطناعي
أكدت مؤسسة منظمة “المجتمع المفتوح لسلامة الذكاء الاصطناعي في الصين” سارة صن، أن النقاش الأمريكي ألهم الباحثين الصينيين المهتمين بالسلامة، لكنها انتقدت تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك” داريو أمودي، الذي دعا في رسالة مفتوحة إلى حرمان الدول التي وصفها بالاستبدادية مثل الصين من الرقائق والمعدات المتطورة لضمان تفوق الديمقراطيات.
واعتبرت صن، أن هذا التشدد صور التحذيرات كذريعة لعرقلة بكين، ما قاد معلقين صينيين لوصف شركته بلقب “آ تشو” الذي يرمز للوحش، في حين اتهمت مدونة “يويوان تانتيان” الرسمية قادة التكنولوجيا الأمريكيين بالسعي لإبطاء لحاق المنافسين بهم.
وفي المقابل، دعا المسؤول التنفيذي في الأمن السيبراني تشو هونج يي إلى تسريع بناء القدرات الدفاعية الذكية بدلا من التباطؤ، مؤكدا استخدام الذكاء الاصطناعي في مواجهة الهجمات السيبرانية المعادية، بينما اعتبر مهندس في شركة “ديب سيك” الصينية أن احتكار “أنثروبيك” لأدوات الذكاء الاصطناعي يماثل في خطورته امتلاك هتلر للقنبلة الذرية أولا في الحرب العالمية الثانية.
وتلقي هذه الانقسامات بظلالها على فرص التعاون بين البلدين، حتى مع مطالبة الرئيس الصيني شي جين بينج لنظيره الأمريكي الرئيس ترامب في واشنطن بضرورة “إدارة الذكاء الاصطناعي من أجل الخير”.
وقد لخص نائب مدير مركز الدراسات الأمريكية بجامعة فودان تشاو مينجهاو، الأزمة قائلا: “إذا قالت أمريكا إنها تبطئ وتيرة نموها، فلن تثق الصين بذلك. وإذا قالت الصين إنها تبطئ وتيرة نموها، فلن تثق أمريكا بذلك أيضا”.

