الخميس, سبتمبر 24

مع مرور أكثر من 5 أشهر على اندلاع الحرب، بدت المعركة بين إيران وأمريكا وأنها انتقلت إلى المياه في مضيق هرمز؛ حيث تسعى طهران للسيطرة عليه من خلال الضغط العسكري، مراهنة على أن الوقت سيعمل لصالحها وسيجبر واشنطن في النهاية على قبول نفوذها في هذا الممر المائي الهام عالميا.

ويرتبط اسم مضيق هرمز في التاريخ برمز عقائدي زردشتي انتصر بعد صراع طويل دام 9 آلاف عام مع خصمه.

واليوم، يعتقد القادة في إيران أن فوزهم بات قريبا جدا دون الحاجة لانتظار كل هذه السنوات الطويلة من الصبر.

وتعتمد رؤية القيادة الإيرانية على حقائق واضحة؛ فهي تعرف جيدا النقص الكبير في مخزون السلاح الأمريكي مثل أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وتدرك أن هذه الحرب لا تجد قبولا شعبيا لدى الأمريكيين.

وكذلك، تراهن طهران على أن بقاء المضيق مغلقا سيرفع أسعار الوقود والسلع مع اقتراب انتخابات الكونجرس في نوفمبر المقبل، ما يجعل أي خيار عسكري أمريكي لفتح الممر بالقوة مكلفا وصعبا وقد يتطلب إرسال قوات برية، فضلا عن دور الحوثيين في اليمن الذين يمكنهم توسيع الحرب وتعطيل حركة التجارة البحرية.

لذلك، ترى إيران أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيضطر في النهاية لقبول شروطها.

مخاطر تحيط بالحسابات الإيرانية في مضيق هرمز

لكن هذه الحسابات تحمل مخاطر كبيرة؛ إذ يستدل ترامب بالهجمات العسكرية التي عطلت أجزاء واسعة من قدرات الجيش الإيراني وسلاح البحر والجو، كما أن الموقف الأمريكي متذبذب بين التصعيد والحديث عن سير المفاوضات بشكل جيد.

وفي الوقت نفسه، يعاني الاقتصاد الإيراني بشدة من العقوبات الأمريكية، وشهد الشارع الإيراني احتجاجات واسعة قبل أشهر قد تتجدد في أي وقت.

ويشير الواقع إلى أن ترامب يغرق في مستنقع الحرب التي ظنها جولة سريعة في الشرق الأوسط، ما يذكر قادة طهران بأن المعارك العسكرية لا تسير دائما كما هو مخطط لها.

اتفاق مرتقب لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز

وتشير المعلومات إلى قرب توصل إيران لاتفاق مع سلطنة عمان لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز الواقع بين البلدين، لكن هذا الاتفاق يتطلب موافقة ترامب ورفع الحصار الأمريكي، حتى مع نفي إيران وجود مفاوضات مباشرة بين الطرفين.

ولم يتضح إن كان الاتفاق سيسمح لإيران بفرض رسوم عبور، لكنه سينهي الوضع الدولي المفتوح للممر المائي الذي كان يعبر من خلاله خمس النفط والغاز العالمي قبل الحرب، ما يرسخ نفوذ طهران هناك بشكل رسمي.

وفي هذا الشأن، يرى عبد الرضا داوري، المحلل السياسي والمستشار السابق للرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، أن السيطرة الفعلية للإيرانيين على المضيق منحتهم أوراق قوة أمام أمريكا ودول المنطقة لتأمين بلادهم.

وأكد في تصريحات لوكالة “أسوشيتد برس”، أن إيران تهدف لتثبيت سيادتها وإدارتها الكاملة للمضيق بعيدا عن الأرباح المالية.

ويعد الاعتراف بسيادة إيران على جزء من المضيق مكسبا كبيرا لها وخسارة واضحة لأمريكا التي لم تحقق أهدافها المتغيرة في الحرب، كما يمثل ضربة للقوانين الدولية لحرية الملاحة ويهدد بإمكانية إغلاق الممرات التجارية وقتما تشاء أي دولة.

وكانت الصين، التي تشتري النفط الإيراني ولها نفوذ في طهران، قد دعت في مايو الماضي لاستعادة حركة العبور الطبيعية والآمنة في مضيق هرمز.

رهان طهران وأدوات الردع في مضيق هرمز

وتظهر طهران ثقة تامة في إدارة الأزمة؛ إذ كتب مهدي محمدي، مستشار كبير المفاوضين الإيرانيين، على منصات التواصل الاجتماعي أن العدو هو من بدأ الحرب لكن إنهاءها بيد إيران التي تسعى لهزيمته وليس مجرد عقد اتفاق.

وأشار محمدي إلى أن الهجوم المباغت على الأردن في يوليو الماضي جاء لتعويض هبوط أسعار النفط، وهو ما تسبب في انهيار الاتفاق المؤقت المبرم في يونيو، والذي كان يعطي إيران ميزات كبيرة تشمل بيع النفط دوليا وتخفيف العقوبات.

وتؤكد طهران رفضها فتح مضيق هرمز مجددا، وتتعهد بمواصلة استهداف أي سفينة تعبر دون إذنها، واصفة ذلك بأنه “الخط الأحمر العصي على الكسر”.

ويرى مصطفى نجفي، وهو محلل أمني إيراني، أن المضيق تحول لورقة ردع استراتيجية لإعادة توازن القوى وصياغة قواعد أمنية جديدة في الخليج العربي.

ويشكل هذا الموقف عقبة أمام إنهاء الحرب وحل ملف إيران النووي المعقد.

ويرى المحلل السياسي الإيراني رحمن قهرمانبور، أن الملف النووي تراجع لصالح الصراع في مضيق هرمز وهو ما يخدم طهران ويمنحها أوراقا قوية في مفاوضات النووي في حال استئنافها.

أزمات إيران الاقتصادية وتبعات صراع مضيق هرمز

ورغم التفاؤل الإيراني، فإن الأضرار الاقتصادية للحرب تضرب إيران بقوة؛ فالضربات الأمريكية والإسرائيلية دمرت جزءا من المصانع، والحصار خنق صادرات النفط، وارتفعت أسعار الغذاء بنسب هائلة، إلى جانب تهديدات ترامب بضرب البنية التحتية المدنية مثل شبكات المياه والكهرباء.

وكان تراجع قيمة العملة في ديسمبر الماضي قد تسبب في احتجاجات ضخمة ضد الحكومة هي الأكبر في تاريخ البلاد الممتد لـ47 عاما.

ويعتقد كثيرون في إيران، ومنهم مقربون من الرئيس مسعود بزشكيان، أن الحسابات الحالية قد تكون مبالغا فيها.

وحذر محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق ومفاوض الاتفاق النووي عام 2015، في مقال حديث له من أن مكتسبات الحرب تفتح نافذة للدبلوماسية، لكن عدم استغلالها سريعا سيعقد التعافي الاقتصادي وقد يجدد الاضطرابات الداخلية أو الهجمات الخارجية خاصة بعد الانتخابات الأمريكية.

وحملت الحرب مفاجآت عديدة؛ فبعد الغارات الأمريكية والإسرائيلية في 28 فبراير ومقتل المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولين كبار، توقع ترامب حسم الأمر في أسابيع، لكن النتيجة جاءت عكسية وقوت عزيمة الإيرانيين.

ويوضح قهرمانبور، أن طهران تستخدم ورقة المضيق لتثبيت شرعيتها وإثبات أنها لم تهزم، لكن هذه الاستراتيجية لها حدود، لأن الانهيار الاقتصادي قد يفجر الأوضاع، وفي النهاية سيتوجب على إيران التوصل لاتفاق مع أمريكا.

وفي المقابل، يرى داوري أن إيران قادرة على تحمل الضغوط ولن تتراجع عن مواقفها الاستراتيجية رغم صعوبة الوضع المعيشي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version