أحيانًا يكون السؤال أهم من الإجابة، خصوصًا عندما يضع يدنا على مشكلة نتعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا، رغم أنها تستحق مراجعة حقيقية. وهذا ما فعله الإعلامي محمد الدسوقي رشدي عندما وجّه رسالته إلى وزير الدولة للإعلام، متسائلًا عن طبيعة الشخصيات التي يلتقيها الوزير تحت عنوان «المؤثرين»، وهل اختيرت بناءً على تأثيرها الحقيقي أم لمجرد امتلاكها أعدادًا كبيرة من المتابعين؟
السؤال يستحق التوقف، ليس دفاعًا عن شخص أو اعتراضًا على لقاء، وإنما لأننا أصبحنا أمام خلط واضح بين الشهرة والخبرة، وبين القدرة على جذب المشاهدات والقدرة على تقديم رأي له قيمة. ويبدو أن لقب «المؤثر» أصبح متاحًا للجميع، بمجرد أن يمتلك أحدهم حسابًا مزدحمًا بالمتابعين، دون أن يسأل أحد عما يقدمه، أو عن طبيعة تأثيره، أو عن الإضافة التي يمكن أن يقدمها في نقاش يتعلق بقضايا المجتمع والإعلام.
يا معالي وزير الدولة للإعلام، لا أحد يعترض على لقاء صُنّاع المحتوى، ولا يمكن تجاهل الدور الذي أصبحت تلعبه منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل اهتمامات الجمهور وتوجيه النقاش العام. لكن هناك سؤالًا ضروريًا: هل كل من يملك جمهورًا واسعًا يمتلك بالضرورة خبرة تؤهله للحديث عن الإعلام ومستقبله؟ وهل أصبحت أرقام المتابعين كافية لمنح أصحابها صفة المؤثر، بصرف النظر عن طبيعة المحتوى ومستوى المعرفة؟
المشكلة ليست في الأسماء التي حضرت، وإنما في المعايير التي تحكم الاختيار. فحين نتحدث عن مستقبل الإعلام المصري، فنحن نتحدث عن مهنة لها تاريخها وأصولها وتحدياتها، وعن واقع يحتاج إلى فهم عميق، وليس مجرد انطباعات سريعة أو آراء تتشكل وفق ما تتداوله المنصات.
هناك صحفيون وإعلاميون أمضوا سنوات طويلة في العمل، وعاصروا تحولات المهنة، وتعاملوا مع أزماتها، وامتلكوا خبرة في قراءة الأحداث ومناقشة قضايا المجتمع. وهناك أصحاب أقلام ورؤى لم تكن شهرتهم يومًا مرتبطة بعدد المتابعين، وإنما بما قدموه من أفكار ومواقف وتحليلات. فهل من المنطقي أن تتراجع قيمة هذه الخبرات أمام بريق الشهرة الرقمية؟
لا أقول ذلك انتقاصًا من صُنّاع المحتوى، فبينهم نماذج جادة تستحق التقدير، استطاعت أن تقدم محتوى مفيدًا وأن تصل إلى جمهورها بجهد واجتهاد. لكن من الضروري أن نفرق بين النجاح في صناعة المحتوى والقدرة على مناقشة قضايا الإعلام، فلكل مجال أدواته ومعرفته وخبراته، وليس من العدل أن نمنح الجميع الصفة نفسها لمجرد امتلاكهم جمهورًا كبيرًا.
وهنا تحديدًا تبدو رسالة محمد الدسوقي رشدي جديرة بالاهتمام؛ لأنه لم يطرح سؤالًا عن الحضور والغياب بقدر ما أعاد النقاش إلى جوهر القضية: من الذي يستحق أن نستمع إليه عندما نتحدث عن الإعلام؟ ومن الذي يستطيع أن يقدم تصورًا حقيقيًا لتطويره؟
إن مسؤولية وزير الدولة للإعلام تقتضي أن يكون باب الحوار مفتوحًا أمام مختلف التيارات والخبرات، لكن هذا الانفتاح ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة. فليس المطلوب جمع أكبر عدد من المشاهير في لقاء واحد، ولا صناعة مشهد يبدو مزدحمًا بالأسماء، وإنما الاستفادة من العقول التي تستطيع أن تقدم أفكارًا قابلة للنقاش والتنفيذ.
والأهم أن يكون هناك حضور حقيقي لأصحاب المهنة، ممن يعرفون مشكلاتها من الداخل، ويدركون حجم التحديات التي تواجه الصحافة والتليفزيون والإذاعة والإعلام الرقمي. فهؤلاء لا يتحدثون عن الإعلام من بعيد، وإنما من واقع تجربة يومية ومعرفة تراكمت عبر سنوات.
كما أن الحوار الجاد لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للمجاملة أو تبادل عبارات الإشادة. نحن بحاجة إلى من يطرح الأسئلة الصعبة، ويكشف أوجه القصور، ويقدم مقترحات عملية، حتى لو اختلفت آراؤه مع المسؤول. فالإعلام لا يتطور بالاستماع إلى الأصوات التي تقول ما نحب سماعه، وإنما بفتح المجال أمام نقاش مهني حقيقي.
ولا ينبغي أن تتحول المسألة إلى صراع بين الإعلام التقليدي والجديد، أو بين أصحاب الخبرة والوجوه الشابة. فالمشهد يتسع للجميع، لكن لكل شخص مكانه الذي تحدده خبرته وقدرته على الإضافة. ومن الخطأ أن نضع الشهرة في مواجهة المهنية، أو أن نتصور أن التطوير يعني تجاوز أصحاب التجارب السابقة.
إن مصر لديها من الكفاءات الإعلامية والصحفية ما يستحق أن يكون حاضرًا في أي حوار جاد حول مستقبل إعلامها، كما لديها جيل جديد يمتلك أدوات مختلفة وقدرة على الوصول إلى الجمهور. والمطلوب هو الجمع بين الخبرة والتجديد، لا أن تطغى إحداهما على الأخرى.
أما محمد الدسوقي رشدي، فقد أعاد بطرحه فتح ملف يستحق أن يحظى باهتمام أكبر من مجرد تداول رسالة أو التعليق عليها. فالسؤال الذي وجهه إلى الوزير ينبغي أن يتحول إلى مراجعة لمعايير اختيار المشاركين في الحوارات الإعلامية، حتى لا يصبح الانتشار الإلكتروني هو الطريق الوحيد إلى دوائر الاهتمام.
يا معالي الوزير، لا تمنحوا الشهرة شهادة خبرة، ولا تجعلوا عدد المتابعين بديلًا عن قيمة الرأي. استمعوا إلى صُنّاع المحتوى، لكن لا تنسوا أصحاب المهنة، وافتحوا المجال أمام الشباب، دون أن تتجاهلوا أصحاب التجارب التي صنعت تاريخ الإعلام المصري.
فالإعلام لا يحتاج إلى مزيد من المشاهير بقدر ما يحتاج إلى أصحاب رؤية، والناس لا تتذكر دائمًا من حصد أكبر عدد من المشاهدات، لكنها تتذكر جيدًا من قال كلمة تستحق أن تُسمع.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

