رجاء وضع لوجو على الصور
العنوان الرئيسي
لم تكن “داليا” تعلم أن الليلة التي عادت فيها إلى منزل أسرتها بقرية الفيما التابعة لمركز الفتح بمحافظة أسيوط ستكون الأخيرة في حياتها؛ فقد عادت حاملة ملابس زفافها التي تسلمتها لتوها من الخياطة، بعد أشهر طويلة من الاستعداد والتجهيز لليوم الذي انتظرته كثيرًا.
أحلام مؤجلة لم تكتمل
كانت داليا، البالغة من العمر 18 عامًا، تعيش حالة من السعادة بعدما عُقد قرانها واقترب موعد زفافها المقرر عقب عيد الفطر المقبل؛ جلست مع شقيقتها تتبادل الحديث عن مستقبلها وحياتها الجديدة، بينما كانت والدتها تتابع ترتيبات الزواج، ويسعى والدها بكل جهده لتوفير احتياجات بناته.
داخل المنزل الريفي المشيد بالطوب اللبن وجذوع النخيل، خلد أفراد الأسرة إلى النوم كأي ليلة عادية، دون أن يشعر أحد منهم بأن الساعات المقبلة ستشهد مأساة ستغير حياة الأسرة إلى الأبد.
مع حلول الساعة الخامسة فجرًا، دوى صوت انهيار هز أرجاء القرية، بعدما سقط سقف المنزل مكون من طابقين بشكل مفاجئ فوق أفراد الأسرة أثناء نومهم، لتتحول أحلامهم وطموحاتهم إلى ركام من الطين والأخشاب المنهارة.
استيقظ أهالي القرية على أصوات الاستغاثة، وسارعوا إلى موقع الحادث للمساعدة في رفع الأنقاض، فيما توجهت قوات الحماية المدنية وفرق الإنقاذ إلى المكان، وبدأ الأهالي وأقارب الأسرة في البحث بأيديهم عن ناجين تحت الركام.
نجاة الوالدين واستمرار البحث عن الفتيات
تمكن رجال الإنقاذ في الساعات الأولى من انتشال الأب والأم أحياء من بين الأنقاض، وسط حالة من الصدمة، إلا أن القلق ظل مسيطرًا على الجميع مع استمرار فقدان أثر الفتيات الثلاث.
استمرت عمليات البحث المتواصلة نحو 4 ساعات، قبل أن تتكشف المأساة تدريجيًا، حيث عُثر أولاً على الطفلة رضوى (11 عامًا)، ثم شقيقتها دينا (16 عامًا)، وأخيرًا داليا (18 عامًا)، التي كانت تستعد لارتداء فستان زفافها خلال أشهر قليلة.
وتم انتشال الشقيقات الثلاث جثامين هامدة من أسفل الأنقاض، لتنتهي أحلامهن داخل الغرفة نفسها التي احتضنت قبل ساعات أحاديثهن وضحكاتهن.
سادت حالة من الحزن الشديد بين أهالي قرية الفيما، الذين عرفوا الأسرة ببساطتها وكفاحها اليومي، وكان الأب يعمل بالأجر اليومي لتوفير متطلبات المعيشة وتجهيز بناته، معتمدًا كذلك على تربية عدد من رؤوس الماشية وبيعها لتغطية نفقات الزواج.
لم تقتصر الخسائر على وفاة الشقيقات الثلاث، بل امتدت لتشمل نفوق رؤوس الماشية التي كانت تمثل مصدر دخل للأسرة، ما ضاعف من حجم المأساة التي تعرضت لها.
تفاصيل الحادث
وشهدت قرية الفيما التابعة لمركز الفتح بمحافظة أسيوط، في الساعات الأولى من صباح اليوم الثلاثاء، حادثًا مأساويًا إثر انهيار منزل قديم مكون من طابقين ومشيد بالطوب اللبن وأفلاق الجريد على قاطنيه، ما أسفر عن مصرع ثلاث شقيقات تحت الأنقاض، بينما نجا الأب والأم من الحادث.
تمكنت الأجهزة الأمنية وقوات الحماية المدنية وفرق الإنقاذ، بمشاركة الأهالي، من انتشال جثامين الشقيقات الثلاث: رضوى جمال بصيري (11 عامًا، دينا (16 عامًا)، داليا (18 عامًا)، عقب عمليات بحث استمرت نحو أربع ساعات، حيث تبين وفاتهن متأثرات بإصابات الانهيار.
ويكمل “عبد الرازق” موضحاً لـ”مصراوي”، أنه كان نائماً برفقة نجله داخل غرفة مجاورة في تمام الخامسة فجراً، قبل أن يهرع إلى الخارج على صوت الانهيار المروع ليجد أن سقفي الطابقين الأول والثاني للمنزل قد هبطا بالكامل.
وأشار إلى أن الأهالي ورجال الإنقاذ تمكنوا أولاً من إخراج الأب والأم من بين الأنقاض وهما في حالة صدمة واستقرار صحي، لتتواصل بعدها عمليات البحث المضنية لنحو أربع ساعات كاملة، حتى جرى استخراج جثامين الفتيات الثلاث من تحت ركام الغرفة الداخلية.
وكشف منصور حسن، أحد أقارب الأسرة وشاهد عيان على الكارثة، أن المأساة تضاعفت قسوتها لكون الشقيقة الكبرى “داليا” (18 عاماً) كانت قد عقدت قرانها وقضت ليلتها الأخيرة محتضنة ملابس زفافها التي استلمتها مساء اليوم السابق من عند الخياطة استعداداً لعرسها المقرّر في عيد الفطر، بينما كانت شقيقتها الوسطى “دينا” (16 عاماً) مخطوبة، والصغرى “رضوى” (11 عاماً) تملأ البيت أُنساً وحيوية.
وأضاف “منصور” أن والد الفتيات، وهو عامل بسيط باليومية ويعاني من ظروف صحية عقب خضوعه لعملية جراحية سابقة، فقد كل ما يملك في لحظات؛ إذ لم تقتصر الخسارة على أرواح بناته الثلاث، بل تسبب الانهيار أيضاً في نفوق رؤوس الماشية التي كان يربيها ويراهن عليها لتوفير نفقات ومستلزمات زواجهن، محذراً في الوقت ذاته من وجود منازل مجاورة مشيدة بالطوب اللبن تعاني تصدعات وشروخاً قد تكرر المأساة ذاتها.

