إلهام شاهين الفنانة القديرة كتبت بوست على الفيسبوك يوم ٢٠ نوفمبر ٢٠٢٥ تمتدح فيه تجربة فيلم «الحياة بعد سهام» قائلة: «فيلم صادق مليء بالمشاعر والإنسانيات.. وفعلا الحياة بعد فقدان الأم مختلفة جدا.. أُحييك على فيلمك وأتمنى لك التوفيق.» ثم شكرت المخرج أمير رمسيس على تحمسه لتجربة المخرج نمير عبد المسيح ومشاركته في إنتاج هذا الفيلم الجميل.
المفاجأة أن لجنة اختيار الفيلم الذي يمثل مصر في ترشيحات الأوسكار استبعدت «الحياة بعد سهام» من الترشيحات بحجة أنه فيلم غير مصري، وأنه فرنسي الجنسية، مما أفسح المجال بقوة أمام تجربة أبو بكر شوقي «القصص».. والسؤال لماذا؟
أحد أعضاء اللجنة – ناقد فني – قال في برنامج تلفزيوني: إن فيلم نمير يتناول علاقة الابن بأمه، وأن هذه التيمة متكررة في سينما بلدان عديدة ولذلك كان من الأفضل عدم ترشيحه واختيار فيلم له تيمة غير متكررة.
طيب.. أنا الحقيقة مندهشة جدا أن هناك ناقد سينمائي أو فني- ضمن لجنة مهمة ذات خصوصية – يُقيم الأفلام بهذا الأسلوب، وأزعجني أن يتم طرح هذه الفكرة من أساسها أو اعتبارها أحد الأسباب لاستبعاد الفيلم.. لماذا؟
لأنه في العالم أجمع، لا يوجد أكثر من ٣٧ تيمة يتم إعادة تكرارها مرارا بمعالجات وتنويعات لا حصر لها، والإبداع في المعالجة الخلاقة هو الذي يلعب دورا جوهريا. وتيمة علاقة الأم بابنها أحد هذه ال٣٧.
الأمر الثاني: أن ينطلق فيلم من المحلية ثم يصفه – هذا الناقد العضو – بأن تيمته موجودة في العالم، فهذا أمر لا يعتبر ضد الفيلم، بل من المفترض أن يكون مديح وأمر يُحسب للفيلم، ولا يمكن أن يكون أحد أسباب استبعاده. لكن بعد قليل يُسارع «العضو» بإضافة بُعد / انتفاء الجنسية المصرية.
محمد صلاح السينما المصرية
ما حدث هو إشكال حقيقي غير مبرر، ويجعلني أتساءل: لو نمير كان قد حصل – من بين كل الجوائز التي حصل عليها بالفعل – على جائزة من المهرجانات الكبرى – ووفقا للتعديلات التي أُستحدثت على شروط الفيلم الأجنبي – فكان تقدم بنفسه إلى الأوسكار ووصل إلى أي قائمة من الـ١٥، أو الخمسة، أو فاز. أو حتى رشح نفسه، كما حدث مع فيلم «امرأة مجهولة».
أنا واثقة أن الصحافة آنذاك كانت سوف تسارع بالحديث عن المخرج والفيلم المصري الذي رُشح للأوسكار، وجذوره المصرية واعتبار الجائزة لمصر كما حدث مع فوز مي الطوخي بالأسد الذهبي.. وتقريبا كما حدث مع محمد صلاح.. لابد للمبدع أن يشق طريقه وسط القهر، ويمزق الشرنقة منطلقا خارج السور الفولاذي ليثبت نفسه خارج إطار الحصار والشلة والبيروقراطية والقوانين العمياء، ومطبقي القوانين الذين لا يريدون أن يعملوا أو يفكروا خارج الصندوق.
ثم عندما ينجح هذا المبدع ويُعترف به دوليا ويحصد الجوائز المرموقة نبدأ في مصر في التباهي به. والله العظيم عيب، جدا.
النقد بالفيلم ينطبق على منافسي فيلمه
المثير للدهشة أن ما ينتقده أو يستهجنه أبو بكر شوقي في بنية فيلمه، قد تم ممارسته على أفلام أخرى أكثر أهمية وأقوى سينمائيا من فيلمه – منها «المستعمرة» إخراج محمد رشاد، كذلك فيلم عبد المسيح – حتى يُصبح «القصص» مرشحنا للأوسكار.
فهل يستحق؟ وهل نفخر بتقديم مثل هذا المستوى السينمائي الذي – في تقديري – يشوبه الكثير من الخلل والتشوه الفكري الذي يفتقد بوصلة النقد الموضوعي لأحوال البلد حتى لو في إطار السخرية اللاذعة، وصولا للابتذال في السخرية والنقد الهدام، حتى بناء الشخصيات به مشاكل، التطور الدرامي كذلك، والدليل على ذلك لدينا اثنين من أقوى الممثلين لكن أداءهما بالفيلم مخيب للآمال وأقل من مستواهما الحقيقي.. نيلي كريم لم تضف للدور ولم يُضف لها الدور أي شيء، بل سحب من رصيدها، ومنها بعض المشاهد التي كانت ترمش فيها بعيونها وتحاول أن تُبدي التأثر العاطفي جاء أداؤها مدرسيا مبتذلا، كأنها ممثلة جديدة تتدرب على التمثيل. كذلك الفنان أحمد كمال لم يكن في قوة أداء شخصيات سابقة، وأنا شخصيا أعتبره أحد آلهة التمثيل في مصر رغم أنه ليس نجم شباك.
شخصيات نمطية تفتقد الروح المصرية الأصيلة
تمثيل «القصص» لمصر في ترشيحات أوسكار أفضل فيلم دولي.. مجرد ترشيح لا يضمن أي شيء. أصلا غير مؤكد أن يصل للقائمة النهائية في ظل المستوى العالي جدا للأفلام العربية الأخرى من لبنان والجزائر والأردن وكردستان والمغرب، وفي ظل مستوى أفلام دولية مهمة مثل فيلم المخرج الروماني كريستيان مونجو أو حتى الفيلم التركي الألماني «رسائل صفراء» أو فيلم المخرجة الدانماركية المصرية مي الطوخي «امرأة مجهولة»، خصوصا أن «القصص» مستواه متواضع فنيا سينمائيا، بموضوعه شديد المحلية، رغم محاولة إضفاء بعد تاريخي وسياسي ورغم علاقة الحب المتعدية للجنسية. ورغم أنه حاول أن يرسم شخصيات غير نمطية لكنها في النهاية صارت نمطية جدا، وافتقدت الروح المصرية الأصيلة.
أمير المصري، رغم موهبته وأدواره في السينما العالمية، اسمه لا يكفي أن يلتفت إليه لجنة التصويت للأوسكار، واسم أبو بكر شوقي رغم موهبته كمخرج ورغم الصدى الجيد له في بعض المهرجانات لكن هذا وحده غير كاف لتمرير فيلم مهلهل فكريا، ولديه مشاكل في شريط الصوت، شديد الصخب، مزعج وغير واقعي وغير محتمل وأذا لا قدر الله تحمل البعض مشاهدته لن يفكروا في تكرار التجربة، رغم تعدد الأغاني الهادفة للسخرية والنقد لأوضاعنا. وهذا على عكس أفلام المخرج والسيناريست محمد أمين مثلا الذي كان يجيد هذه اللعبة في توظيف الأغاني بمهارة فائقة تجعلنا نستمتع ونضحك من قلوبنا عاليا.
يبدو لي أن أبو بكر شوقي كان يُجرب في شريط الصوت أفكاره وتوظيف الأغاني بزخم مبالغ فيه، وهو أمر لا ألومه عليه. لكنه أخفق في التجريب ولم يكن إحساسه فعالا، مع تقديري واحترامي، وهذا لا يعني أن لا يجرب، لكن طالما أن فيلمه ليس في مستوى أعماله السابقة، وطالما أن هناك أفلاما تتفوق عليه فلنفسح مجالا لمن يستحق سينمائيا.
ملفات يفتحها ترشيح القصص
ملفات عديدة يفتحها هذا الترشيح، سواء في التعامل مع الأفلام المصرية، خصوصا ذات الإنتاج المشترك، ومنها فيلم نمير عبد المسيح، حتى لو تم عرضه في دور العرض السينمائية المصرية على أنه فيلم أجنبي؟
صندوق دعم البحر الأحمر عندما يقدم دعما لأي فيلم، يتم اعتبار ذلك شراكة في الإنتاج، وحين يشترك في أي مهرجان يتم التعامل على أنه إنتاج مشترك، ويتم ذكر الجهات الداعمة. كذلك مؤسسة الدوحة للأفلام والتي لها نصيب كبير لمشاركاتها في إنتاج أو دعم عدد من الأفلام العربية المرشحة لتمثيل بلادها في الأوسكار.
الأردن في العام الماضي أوسكار ٢٠٢٦ قامت باختيار فيلم لا ينطق بلغتها ولا علاقة له بهويتها والمخرج لم يكن أردنيا، لكنها قامت بتقديمه ليُمثلها في ترشيحات الأوسكار، فقط لأنها قامت بدعمه ماديا.
لماذا لا نحاول تأمل تجارب الآخرين ونستفيد ونتعلم؟ إن تجربة استبعاد «الحياة بعد سهام» تشي بالعبث في أوضح صوره. هذا الأمر يذكرني بتجربة فيلم «باب الشمس» للمخرج الكبير يسري نصرالله الذي طالبته النقابات – حتى يحصل على الجنسية المصرية – وقت عرض الفيلم بجباية مبلغ كبير ربما كان يقترب من النصف مليون عام ٢٠٠٤.. أي قبل ٢٢ عاما،؟
جباية أموال تتجاهل أهمية الدور الثقافي
رفض يسري نصرالله آنذاك أن يحصل فيلمه على الجنسية المصرية، حتى لا يدفع هذا المبلغ. لا ألومه على ذلك، لأن الخاسر الوحيد هو السينما المصرية، وتاريخها، بسبب حفنة من الموظفين يُصرون على تطبيق قوانين مجحفة – يمكن تفسيرها وتطبيقها بطرق مختلفة – ويقومون بجباية الأموال قبل التفكير في القيمة الثقافية والفكرية، في أن يكون فيلم بارز عن القضية الفلسطينية ومن توقيع يسري نصرالله حاملا للجنسية المصرية.!!
فيلم نمير عبد المسيح تم عرضه في مصر على أنه فيلم أجنبي. فهل حقا هو فيلم أجنبي؟!
الفيلم هوية موضوعه، وهوية مخرجه مصرية تماما. فماذا عن هوية رأس المال. المنتج الرئيسي شركة نمير عبد المسيح – تحمل الجنسية الفرنسية – لكن هناك شراكة تمويلية مصرية من خلال شركتي ريدستار، وأمبيانت لايت.. بعد التصوير، أي في أعمال البوست برودكشن.
فهل يمكن اعتبار أعمال ما بعد التصوير ليست شراكة في الإنتاج؟ راجعوا نماذج حاصلة على الدعم من البحر الأحمر، ومؤسسة الدوحة، الجونة، لتتأكدوا أن هناك أشياء خطأ في التعامل مع فيلم نمير عبد المسيح. بالمناسبة الفيلم عرض في مهرجان القاهرة تحت مسمى إنتاج مصري فرنسي، وكذلك كل وسائل الميديا تعاملت معه باعتباره فيلم إنتاج مشترك وهويته مصرية، لكن الآن يبدو أن هناك حسابات أخرى في الغرف المغلقة، أو أن أمورا أخرى تحتاج إلى مراجعة وإلى اتخاذ قرارات جريئة لحماية المبدعين المصريين في المستقبل، ولصالح تاريخ السينما المصرية.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


