في العُرف السياسي والدستوري، تتشكل «حكومة تسيير الأعمال» كتدبير استثنائي مؤقت لمنع الفراغ الإداري في لحظات التحول أو الأزمات؛ وظيفتها المحافظة على الحد الأدنى من حركة المرافق العامة، دون أن تملك حق إطلاق رؤى استراتيجية أو اتخاذ قرارات مصيرية.
غير أنه، وبنظرة فاحصة اليوم للمشهد والأداء التنفيذي الحكومي، نجد أنفسنا مُضطرين إلى طرح سؤال مهم ومباشر، وهو: هل سقطت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي -دون أن تدري- في فخ «تسيير الأعمال»، لتتحول من سلطة تنفيذية مكتملة الصلاحيات إلى مجرد إدارة مؤقتة تفتقر إلى الهدف الشاخص والشغف السياسي؟
سنكتشف -دون جهد- أن الأزمة الحقيقية التي تواجه الأداء الحكومي اليوم لا تكمن في غياب الكفاءات أو انعدام الجهد، بل في غياب «التارجت (Target) » المُعلن، والمقترن بجداول زمنية صارمة وآليات تنفيذ محددة.
لقد تحول العمل التنفيذي في كثير من القطاعات إلى أداء نمطي يدور في فلك «إدارة اليوم بيومه»، واكتفت الحكومة بمهارة الاستعراض المستمر للمشكلات وتشخيصها، دون أن تقرن هذا التشخيص ببرامج قومية ملزمة ذات محطات قياس واضحة.
خذ على سبيل المثال ملفًا حاكمًا ومصيريًا كملف «الميزان التجاري». في عام 2026، لا تزال الصادرات المصرية تدور في حدود الـ50 مليار دولار، في ظل فجوة هيكلية صريحة بين ما نستورده وما نصدره.
لم تخرج علينا الحكومة يومًا برؤية واضحة تستهدف -على سبيل المثال- الوصول برقم الصادرات إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2028، وفق خطة زمنية مدتها سنتان، مع تحديد أدواتها بدقة: توطين صناعات تكنولوجية محددة تعتمد على مدخلات إنتاج ومواد خام متوفرة محليًا، مع توجيه المنتج نحو أسواق واعدة تم دراسة طاقتها الاستيعابية كأسواق الخليج وشرق آسيا وإفريقيا.
خطة كهذه من شأنها ليس فقط معالجة خلل الميزان التجاري، بل توفير العملة الصعبة، وتحقيق استقرار مستدام لسعر الصرف، وحماية الجنيه المصري من الهزات المتكررة.
بدلًا من ذلك، يبدو أن الحكومة فضّلت إقامة «علاقة صداقة أبدية» مع أزمة الميزان التجاري؛ تجرها معها في كل المؤتمرات والاجتماعات، تشخصها باستفاضة، ثم تتعايش معها وكأنها قَدَر محتوم، دون أن تصنع منها «هدفًا قوميًا» تُسخّر له الطاقات وتُحاسَب على نتائجه!
وينسحب المنطق ذاته على ملف «سوق العمل والبطالة».
لم نسمع عن استراتيجية حكومية ملزمة تهدف لخفض معدل البطالة من مستواه الحالي المقدر بـ6% إلى 5% بحلول مطلع عام 2029 -على سبيل المثال-، عبر برامج تدريبية وتصنيعية محددة وقابلة للقياس على أرض الواقع.
والأمر نفسه يتكرر في ملفات التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، حيث تغيب الأهداف الرقمية المرتبطة بمواعيد تحقيق إنجازات حاسمة.
إن الدولة المصرية، بما تمتلكه من قدرات وإمكانيات، لا تحتاج إلى إدارة «تكتفي بتسيير المرافق»، بل تحتاج إلى حكومة «أهداف ومدخلات ومخرجات».
حكومة تخرج للرأي العام ببرنامج عمل صريح يقول: «هذا هو هدفنا، وتلك أدواتنا، وهذا موعد الحساب». أما الارتكان إلى دور الشاهد الذي يشخص الداء ويكرر وصفه، فهو سلب لجوهر العمل التنفيذي، وتحويل غير معلن للحكومة إلى مجرد هيكل لتسيير الأعمال في انتظار من يملك الجرأة على وضع «التارجت» وتحقيقه.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

