الثلاثاء, سبتمبر 29

يربط المركز المصري للدراسات الاقتصادية، في تقرير حديث، تحسن الاحتياطيات وصافي الأصول الأجنبية بزيادة السيولة الدولارية، معتبرًا أن ذلك دعم المركز الخارجي لمصر على المدى القصير، لكنه يحذر في الوقت نفسه من هشاشة هذا التحسن أمام المخاطر الإقليمية والتزامات الدين الخارجي المرتفعة.

ويعرض تقرير “نظرة على الأسواق المالية- الربع الثالث 2026″، تحسّن واضح في مركز السيولة بالنقد الأجنبي، مقابل استمرار ضغوط التمويل الخارجي والدين والتضخم من ناحية أخرى، بينما حافظ البنك المركزي المصري على موقف نقدي حذر، مع إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير ومراقبة تطورات الأسعار والنشاط الاقتصادي.

ويذكر التقرير، أبرز التحولات يظهر في صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي، إذ يوضح الرسم البياني للمركز انتقال المؤشر من عجز تجاوز تريليون جنيه خلال ذروة أزمة النقد الأجنبي في 2023 و2024، إلى منطقة موجبة تجاوزت تريليون جنيه، وواصلت الارتفاع خلال 2026، لتقترب من 1.3 تريليون جنيه.

وسجل صافي الاحتياطيات الدولية مسارًا صاعدًا واضحًا خلال الفترة الأخيرة، بعدما شهد هبوطًا حادًا خلال أزمة النقد الأجنبي قبل أن يعاود الارتفاع بعد مارس 2024، ويقترب في أحدث بيانات التقرير من مستويات 55 مليار دولار.

ويظهر سعر صرف الجنيه في تقرير المركز أكثر استقرارًا وتوحدًا بين القنوات المختلفة مقارنة بفترة ما قبل تحرير سعر الصرف في مارس 2024، مع تحركات محدودة حول مستويات السوق الرسمية، بعدما اختفت الفجوات الكبيرة التي كانت تفصل بين السعر الرسمي وأسعار السوق الموازية وبعض المؤشرات المرتبطة بالذهب.

لكن استقرار سعر الصرف لا يعني، وفق قراءة المركز، انتهاء الضغوط الخارجية؛ إذ يرى التقرير أن تحسن المركز الخارجي جاء أساسًا من زيادة السيولة بالنقد الأجنبي، وليس نتيجة تغيرات هيكلية تجعل الاقتصاد أقل تعرضًا للصدمات، وهو ما يبقي الجنيه حساسًا للتطورات الإقليمية وتدفقات النقد الأجنبي والتزامات الدين.

الدين الخارجي فوق 160 مليار دولار والفاتورة مستمرة

في المقابل، ظل الدين الخارجي لمصر عند مستويات مرتفعة تتجاوز 160 مليار دولار خلال الفترة التي يرصدها التقرير، بينما بقيت التزامات خدمة الدين الخارجي مرتفعة، بما يعكس استمرار الاحتياجات التمويلية وضخامة الالتزامات المستحقة.

ويشير التقرير إلى أن ارتفاع حجم الدين وخدمة الدين يواصل الضغط على شروط التمويل الخارجي، رغم التحسن الأخير في بعض مؤشرات المخاطر السيادية، إذ ظل عائد السندات الحكومية المصرية لأجل 10 سنوات عند مستويات مرتفعة، بما يعكس استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض وتشدد ظروف التمويل.

وسجلت مبادلات مخاطر الائتمان لأجل 5 سنوات (CDS) لمصر انخفاضًا طفيفًا خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يقرأه التقرير باعتباره تحسنًا محدودًا في نظرة المستثمرين إلى المخاطر السيادية وزيادة نسبية في الثقة.

لكن هذا التحسن لم ينعكس بالكامل على تكلفة التمويل؛ إذ بقي عائد السندات الحكومية المصرية لأجل 10 سنوات مرتفعًا، ما يعني أن السوق لا يزال يطلب عائدًا مرتفعًا مقابل تمويل الحكومة المصرية على المدى الطويل.

التضخم يعود للضغط.. والمركزي يختار الانتظار

على المستوى المحلي، يرصد التقرير تجدد الضغوط التضخمية بعد فترة من التراجع التدريجي، بالتزامن مع تباطؤ نمو المعروض النقدي، بينما أبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير، في موقف وصفه المركز بالحذر والانتظار، بهدف موازنة مخاطر التضخم مع النشاط الاقتصادي والتطورات الخارجية.

وتوضح بيانات التقرير أن نمو الناتج المحلي الإجمالي ظل عند مستويات أفضل بكثير من فترة التباطؤ السابقة، لكنه شهد تباطؤًا طفيفًا في أحدث قراءة، بينما تباطأ نمو المعروض النقدي، بما يشير إلى تشدد نسبي في ظروف السيولة المحلية.

وتأتي هذه التطورات في وقت اتجهت فيه البنوك المركزية عالميًا إلى سياسات نقدية متباينة، إذ يوضح المركز أن التضخم العالمي شهد تحركات مختلفة بين الاقتصادات، بينما استأنف البنك المركزي الأوروبي التشديد، في حين تبنت بنوك مركزية أخرى نهج الانتظار والترقب.

السلع العالمية تفتح جبهة جديدة أمام التضخم

ولا تأتي المخاطر من الداخل فقط؛ فأسواق السلع العالمية شهدت خلال الفترة محل التقرير تحركات متباينة، مع تراجع أسعار بعض السلع الصناعية والطاقة، مقابل ارتفاع عدد من السلع الزراعية، بينها القمح والذرة والشاي واللحوم.

ويرى التقرير أن هذا التباين يعكس اختلافات في ظروف العرض والطلب العالمية، لكنه يمثل بالنسبة للاقتصاد المصري عاملًا يجب مراقبته، خصوصًا مع حساسية فاتورة الواردات وأسعار الغذاء المحلية لتقلبات الأسواق العالمية.

الذهب والنفط.. الجغرافيا السياسية تعيد تسعير المخاطر

ويرصد المركز كذلك تأثير تصاعد التوترات بين إيران ودول الخليج على الأسواق العالمية، مع انتقال سريع للصدمات الجيوسياسية إلى أسعار الطاقة والذهب وتقلبات الأسواق، في ظل الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز لتجارة النفط العالمية.

ويشير التقرير إلى أن أي اضطراب في الاستقرار الإقليمي يمكن أن يزيد مخاوف الإمدادات، ويدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، ويزيد الطلب على أصول الملاذ الآمن مثل الذهب، فضلًا عن رفع مستويات التقلب في الأسواق المالية.

البورصة تقاوم التقلبات

وفي سوق المال، حافظت البورصة المصرية على اتجاه صاعد نسبيًا، مع استمرار أداء مؤشر EGX30 عند مستويات مرتفعة، في وقت ظلت فيه أسواق الأسهم الناشئة عمومًا مدعومة بتحسن شهية المستثمرين وتماسك الأساسيات المحلية، رغم استمرار عدم اليقين الجيوسياسي.

ويعكس أداء البورصة مفارقة أخرى في المشهد المصري: تحسن نسبي في شهية الاستثمار بالأسهم بالتوازي مع استمرار ارتفاع تكلفة التمويل ومخاطر الدين الخارجي، ما يجعل استمرار الاتجاه الإيجابي للسوق حساسًا لتغيرات السيولة وأسعار الفائدة والمخاطر الإقليمية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version