رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقترحًا إيرانيًا لوقف الأعمال العدائية لمدة 7 أيام، يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي، في خطوة تعكس اتساع الفجوة بين شروط واشنطن وطهران، رغم استمرار الاتصالات غير المباشرة بين الجانبين عبر وسطاء.
فبينما تعرض إيران خريطة طريق لإنهاء التصعيد وفتح أهم ممرات الطاقة، يتمسك ترامب بأوراق ضغطه، وفي مقدمتها الحصار البحري والعقوبات، مطالبًا باتفاق يتجاوز مجرد هدنة مؤقتة، ومع استمرار التهديدات العسكرية واحتفاظ الطرفين بقنوات التفاوض، يبرز السؤال: ماذا يريد ترامب تحديدًا من إيران؟
مقترح إيراني لفتح هرمز خلال أسبوع
طرحت طهران عبر وسطاء، بينهم قطر، خطة من 7 أيام تهدف إلى إعادة حركة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز واستئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الخطة تبدأ فور قبول واشنطن بها، على أن تستغرق الإجراءات الأولية 4 أو 5 أيام، ويعاد فتح المضيق في اليوم السادس.
وبحسب عراقجي، يبدأ في اليوم السابع التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن “الاتفاق النهائي”، موضحًا أن إيران مستعدة لتنفيذ الخطة بمجرد موافقة واشنطن عليها، وتضمنت المبادرة الإيرانية أيضًا وقف جميع الأعمال العدائية خلال الأيام السبعة، بما في ذلك في لبنان، إلى جانب إعادة فتح المضيق أمام الملاحة.
ماذا طلبت إيران مقابل فتح المضيق؟
في المقابل، طالبت طهران الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات اعتبرتها جزءًا من التزامات سابقة، بينها الإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع العقوبات المفروضة على النفط الإيراني، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، ويستند المقترح إلى مذكرة تفاهم سبق توقيعها في 17 يونيو في إسلام آباد، لكنها انهارت لاحقًا.
لماذا رفض ترامب المقترح الإيراني؟
بحسب تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”، استند إلى مسؤولين أمريكيين لم تسمهم، فإن ترامب استبعد المقترح الإيراني سريعًا، وسط شكوك لديه بشأن مدى استعداد طهران لتنفيذ المطالب الأمريكية، وتتمثل أبرز أهداف واشنطن، في منع إيران من امتلاك سلاح نووي وإعادة حرية المرور عبر مضيق هرمز.
ويرى ترامب، وفق التقرير، أن الحصار البحري يمثل أداة ضغط مهمة على إيران، ولذلك لا يبدو مستعدًا في المرحلة الحالية للتخلي عنه مقابل خطة تمتد 7 أيام، وفي الوقت نفسه، تقول طهران إنها لن تدخل في مناقشات بشأن برنامجها النووي قبل تنفيذ الشروط التي طرحتها، وهو ما أبقى المفاوضات أمام طريق مسدود.
ترامب بين الضغط والتفاوض
رغم رفض الخطة، لم تتوقف الاتصالات بين واشنطن وطهران، إذ تستمر المحادثات بصورة غير مباشرة عبر وسطاء، إذ أشار مسؤول أمريكي في تصريحات لموقع “أكسيوس” إلى أن الاتصالات الجارية بين الجانبين، بما في ذلك بشأن الملف النووي، تتواصل بصورة “إيجابية وبناءة”، فيما تعمل قطر ووسطاء آخرون على نقل الرسائل ومحاولة إحياء المسار التفاوضي.
وجاءت هذه الاتصالات على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث أجرى مسؤولون أمريكيون، بينهم المبعوثان الخاصان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، محادثات بوساطة مع مسؤولين إيرانيين، ووصف ترامب أحد الاجتماعات بأنه “جيد جدًا”، بينما قالت قطر إن وزير خارجيتها بحث مع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان خفض التصعيد وشروط استئناف الحوار.
ماذا يريد ترامب من إيران؟
تشير التقارير إلى أن ترامب يريد اتفاقًا يحقق أهدافًا أمريكية أساسية، في مقدمتها منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، وضمان عودة حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، مع استمرار استخدام الضغوط الاقتصادية والعسكرية لدفع طهران إلى تقديم تنازلات.
وفي المقابل، أفادت صحيفة “التايمز”، نقلًا عن مصادر أمريكية، بأن ترامب يعلن علنًا أن طهران ستضطر في نهاية المطاف إلى قبول اتفاق يفكك برنامجها النووي، بينما يعبر في المحادثات المغلقة عن شكوك بشأن إمكانية استجابة إيران لمطالبه، مع إبقاء احتمال استئناف الحملة العسكرية قائمًا.
الانتخابات الأمريكية تدخل الحسابات
وتشير التقارير إلى أن الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في نوفمبر تمثل عاملًا حاضرًا في حسابات واشنطن، فظاهريًا، قد يمثل التوصل إلى اتفاق مع إيران قبل الانتخابات عاملًا يساعد على خفض أسعار النفط والوقود، التي ارتفعت بصورة حادة عقب الحرب والهجمات الإيرانية على ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز.
لكن “وول ستريت جورنال” نقلت عن مصادر أمريكية أن ترامب تحدث مع مقربين منه عن احتمال استئناف قصف إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، وأكدت المصادر نفسها أن موقفه قد يتغير خلال الأسابيع المقبلة، وأن نتائج الانتخابات يمكن أن تؤثر في قراراته، بينما لا يزال نطاق أي هجمات محتملة غير واضح.
لماذا يتردد ترامب في العودة للحرب؟
على الرغم من التهديدات العسكرية التي أطلقها ترامب خلال فترة الحرب، فإن تقرير “التايمز”، يشير أيضًا إلى تردده في العودة إلى حملة عسكرية واسعة النطاق، ويرتبط أحد الأسباب، برغبة الولايات المتحدة في الحفاظ على مخزوناتها من الأسلحة التي استُنفدت خلال الحرب، تحسبًا لأزمات أخرى محتملة.
وخلال الفترة الماضية، هدد ترامب مرارًا بشن هجمات واسعة على إيران في محاولة لكسر الجمود في المفاوضات، بل وأصدر أوامر بتنفيذ بعض الضربات، قبل أن يتراجع في أوقات أخرى عن بعض أشد تهديداته، وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، نفى أن تكون الاعتبارات السياسية مؤثرة في قراراته بشأن إيران.
طهران تتمسك بالملف النووي
في الجانب الإيراني، تقول طهران إنها لن تناقش برنامجها النووي قبل تلبية الشروط التي وضعتها، فيما قال وسطاء عرب إن دبلوماسيين إيرانيين قدموا عدة مقترحات لإنهاء الحرب، وأقروا بتفاقم الأزمة الاقتصادية داخل البلاد.
وفي المقابل، نقلت التقارير موقفًا مختلفًا داخل النظام الإيراني من الحرس الثوري، إذ أفادت بأن المنظمة غير مستعدة لمناقشة صيغ جديدة للاتفاق، وأنها تستعد لاحتمال خوض حرب طويلة الأمد. ويعكس ذلك وجود تباين في المواقف بشأن حدود التنازلات الممكنة خلال المفاوضات.
هل ما زالت الدبلوماسية ممكنة؟
رغم رفض ترامب لخطة الأيام السبعة، فإن قنوات الاتصال لم تتوقف، وتواصل قطر نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، بينما تقول الولايات المتحدة وإيران إن الباب الدبلوماسي لا يزال مفتوحًا. وقال مسؤول أمريكي إن المحادثات التي تتم بوساطة مستمرة، ووصفها بأنها “إيجابية وبناءة”.
تفتح التطورات الحالية أكثر من مسار أمام المواجهة الأمريكية الإيرانية، إذ يستمر التفاوض غير المباشر بالتوازي مع بقاء الخيارات العسكرية والاقتصادية مطروحة، ونقلت “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب أبلغ مساعديه بتوقعه احتمال شن حملة قصف جديدة ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

