صوت مجلس النواب في باراجواي بالإجماع على عزل الرئيس سانتياجو بينيا عقب دقائق معدودة من إعلانه الاستقالة، على خلفية أزمة مالية حادة فجرها انهيار بنك رقمي يرتبط بإدارته وتسبب في تجميد مدخرات ملايين المودعين، ما دفع الشارع إلى التظاهر وأشعل مواجهة انتهت باتخاذ قرار عزله.
تصويت البرلمان ومسار عزل رئيس باراجواي
جاء قرار مجلس النواب بموافقة 78 من الأعضاء دون أي صوت معارض، ليعكس الرفض الحاسم لسياسات سانتياجو بينيا من جانب نواب حزب كولورادو الحاكم الذي ينتمي إليه، بعد انضمامهم إلى صفوف المعارضة لدعم الإقالة إثر 3 أيام متواصلة من المظاهرات العارمة التي هزت العاصمة أسونسيون.
وتحال القضية بموجب الإجراءات الدستورية إلى مجلس الشيوخ، حيث يتطلب تثبيت الإدانة وإنهاء المنصب بصفة رسمية حيازة أغلبية ثلثي الأصوات.
وكان بينيا، الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد نشر كلمة مصورة عبر منصة “إكس” أثناء مناقشة المشرعين لمذكرة العزل، معلنا التنحي عن منصبه بهدف تحقيق “استقرار بلدنا، والسلام الاجتماعي، والحاجة إلى الحفاظ على مؤسساتنا الديمقراطية”.
وأبدى الرئيس، الذي امتلك حتى العام الماضي حصة في شركة ترتبط ببنك أوينو، أسفه دون أن يعلن مسؤوليته المباشرة عن الأزمة، حيث قال: “أود أيضا أن أعتذر للناس إذا كنت قد خذلتهم في أي وقت. لم تكن نيتي قط أن أخون الثقة التي وضعوها في”.
كواليس انهيار بنك أوينو
تفجرت هذه التطورات بسبب بنك أوينو الرقمي، الذي تحول في أقل من 5 سنوات من مؤسسة تمويلية مغمورة إلى اسم بارز يدعي تقديم خدماته لأكثر من 60% من البالغين في البلاد، ليجد عملاؤه أنفسهم أمام صعوبة بالغة في الوصول إلى أموالهم ومعاشاتهم التقاعدية، إلى جانب تضرر 7000 موظف من تجميد رواتبهم.
وتكشف التحقيقات وجود صلات غير معتادة بين حزب كولورادو والجهات الرقابية والنخبة التجارية، حيث رعت المؤسسة المالية منتخب كرة القدم والملعب الرئيسي للبلاد بعد نيل رخصتها عام 2023.
وعين بينيا رئيس شركة فينانسييرا أوينو السابقة كارلوس كارفالو على رأس البنك المركزي المكلف بالرقابة، وتدفقت أموال المؤسسات العامة إلى خزائن البنك لتصل حتى الشهر الماضي إلى نحو 800 مليون دولار تمثل ربع ودائعه، شملت أموال صناديق التقاعد وهيئات تشغيل السدود الكهرومائية.
ورغم رصد مفتشي البنك المركزي في يونيو تجاوزات شملت منح قروض ضخمة دون ضمانات لشركات ترتبط بمالكي البنك، من بينها تحويل 39 مليون دولار إلى 3 شركات في يوم واحد من سبتمبر 2025، وفق تقرير نشرته صحيفة “إيه بي سي كولور” الباراجوايانية، فقد رفض بينيا تلك التحذيرات واعتبرها محاولة لبث الذعر.
انتقال السلطة الرئاسية بعد عزل رئيس باراجواي
انهار الكيان المصرفي مطلع هذا الأسبوع بعد كشف البنك المركزي عن مخالفات واسعة تضمنت قروضا غير موثقة وإدراج نفقات ضمن خانة الأصول، ما هوى برأس مال البنك إلى أقل من نصف الحد القانوني، وفرض الحراسة عليه يوم الثلاثاء لتصفية أصوله ونقل الحسابات، ما تسبب في توقف التطبيق وبطاقات الدفع وإغلاق الفروع واصطفاف المودعين.
وتزامن تعطل تطبيقات المصارف الأخرى مع تدافع المواطنين لفتح حسابات جديدة، في حين باشرت السلطات فتح حسابات بديلة لنحو 280 ألف شخص لا يملكون تعاملات خارج هذا البنك، وصرح رئيس البنك المركزي المؤقت بيدرو أكوستا برنال، الذي تسلم مهامه الأربعاء إثر استقالة كارفالو، بأن “النظام المصرفي سليم”.
ومهدت هذه الأحداث لترتيبات انتقال السلطة في البلاد؛ إذ ينتظر قبول الكونجرس استقالة بينيا في الساعة الخامسة مساء، ليتولى نائب الرئيس بيدرو أليانا أداء اليمين الدستورية لتولي رئاسة الجمهورية بعد ساعة من ذلك الموعد، على أن يستمر في منصبه حتى نهاية الولاية الرئاسية في أغسطس 2028، فيما يتولى المشرعون اختيار نائب جديد للرئيس لملء المنصب الشاغر.
الاحتجاجات الشعبية والملاحقات القضائية
على الصعيد القضائي، أوقفت أجهزة الأمن 8 من كبار المسؤولين التنفيذيين، شملوا المؤسس ميجيل فاسكيز ورئيس البنك خوان مانويل جوستال، ووجهت النيابة العامة اتهامات إلى 27 من المسؤولين والشركاء التجاريين شملت خيانة الأمانة ومحاولة الاحتيال، بينما طالب محامو الموقوفين بمهلة زمنية لفحص الاتهامات قبل الإدلاء بأي إفادات.
وتزامنت هذه التحركات مع خروج مظاهرات غاضبة؛ حيث تظاهر مئات الموظفين التابعين لمجموعة فاسكيز المالكة للبنك أمام وزارة العمل للمطالبة بمستحقات نهاية الخدمة والرواتب المعلقة، وتجمع آلاف المتقاعدين والمودعين والعمال والطلاب في شوارع العاصمة رافعين شعارات تصف بينيا بـ”عدو المدخرين” وتطالب بإعادة أموالهم، وتدخلت قوات مكافحة الشغب باستخدام الرصاص المطاطي ورذاذ الفلفل لتفريق المحتجين.
وتأتي باراجواي في المرتبة التالية بعد فنزويلا كأسوأ دول أمريكا اللاتينية على مؤشر الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، وسط إزالة شعار البنك عن الملعب الوطني وانتشار الشعارات المناهضة للسلطة.

