في الليلة نفسها التي خسر فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأغلبية في مجلسي الكونجرس، سقط في واشنطن سلاحٌ كان خط الدفاع الأضمن عن حلفائه وعن إسرائيل: سطوة المال الانتخابي الثقيل.
ففي الاقتراع الذي منح الديمقراطيين السيطرة على المجلسين، انقلبت مئات الملايين التي ضختها صناديق المليارديرات وجماعات الضغط من درع يحسم المقاعد إلى عبء انتخابي طارد، لتستيقظ حكومة بنيامين نتنياهو على تآكل الحصانة المزدوجة التي حمت تسليحه وموّلت حروبه المفتوحة بالشرق الأوسط.
ملياردير الانتخابات يخسر
تجلى هذا الانقلاب أولًا في الإخفاق المدوي للملياردير إيلون ماسك، المتصدر للمانحين بإنفاق قياسي بلغ 474 مليون دولار على الأقل لدعم الجمهوريين، منها 224 مليونًا في تكساس لحماية البيئة التشريعية لمصانع “تسلا” و”سبيس إكس” ومراكز بياناته، والذي خسر رغم ذلك مرشحاه البارزان لسباقي الشيوخ وحاكم الولاية، ليذهب 93% من إنفاق لجنته “أمريكا باك” هباءً، وتتراجع ثروته بنحو 114.5 مليار دولار في يومين فقط، مع تلويح الديمقراطيين بالتحقيق في عقوده الفيدرالية.
مثّلت هذه الخسائر رفضًا شعبيًا صريحًا لنفوذ ماسك الذي يدور في فلك ترامب، كما يقول الباحث الزائر بصندوق مارشال الألماني، جي سي لينتزينيتش، مشيرًا إلى ربط الناخبين بين سطوة المليارديرات وغلاء المعيشة وارتفاع فواتير الكهرباء والمياه جراء توسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي استقطبت إنفاقًا إعلانيًا بلغ 173 مليون دولار معظمه سلبي. وهو ما لخصه السيناتور الديمقراطي الفائز بتكساس، جيمس تالاريكو، بقوله: “علينا إخراج المال الكبير من سياستنا حتى لا يشتري ملياردير انتخاباتنا”.

تعثر “أيباك” وصعود “جي ستريت”
غير أن التمرد على “المال الكبير” تجاوز مصالح ماسك التكنولوجية ليضرب الأداة ذاتها التي اعتمد عليها اللوبي المؤيد لإسرائيل لضبط الكونجرس سنوات طوال.
فبعد انتصارات لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” عام 2024 بفوز السواد الأعظم من مرشحيها الـ361، ضخت مع ذراعها “مشروع الديمقراطية المتحدة” نحو 84 مليون دولار هذا العام لمحاصرة المطالبين بوقف تسليح تل أبيب، لكن قرابة ثلثي المبلغ (55 مليون دولار) ذهب لمرشحين خاسرين.
وقد تقاطع مسارا الإخفاق المالي لماسك وأيباك مباشرةً في ميشيجان المتأرجحة، بفوز الطبيب التقدمي ذي الأصول المصرية عبد الرحمن السيد بمقعد الشيوخ كأول سيناتور مسلم بتاريخ أمريكا، رغم إنفاق ذراع “أيباك” قرابة 30.6 مليون دولار لإقصائه في التمهيديات الديمقراطية، ودعم لجنة ماسك منافسه الجمهوري مايك روجرز بأكثر من مليون دولار.
وبذلك جرّد تعثر أموال ماسك يمينًا و”أيباك” يسارًا إسرائيل من مظلة الأغلبية الجمهورية بالشيوخ، مؤكدًا تشخيص الباحث بجامعة بار إيلان، جوناثان راينهولد، بأن ركيزة الإجماع الحزبي الأمريكي حول إسرائيل “انهارت إلى حد بعيد”. وهو ما تعزز بإعلان منظمة “جي ستريت” الليبرالية، التي تُعرّف نفسها بأنها “مؤيدة لإسرائيل ومؤيدة للسلام”، أن قرابة ثلثي الديمقراطيين بالمجلسين باتوا مدعومين منها.

