لا يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن يتوقف في يمينيته المقيتة عند حدود بلاده، فلا يدخر جهدًا في نشرها والدعوة إليها خارج الولايات المتحدة.
وهو لا يفعل هذا فقط، ولكنه يضع يده في يد صديقه اللدود إيلون ماسك، الذي لا يُخفي هو الآخر حماسته المقززة لكل ما هو يميني متطرف في أوروبا، وقد دأب على ذلك إلى حد أن دولًا أوروبية وبخته علنًا على ما يمارسه تأييدًا للأحزاب اليمينية المتشددة في القارة الأوروبية.
وعندما فاز حزب «البديل من أجل ألمانيا» في مقاطعة سكسونيا الألمانية مؤخرًا، فإن فوزه في انتخاباتها المحلية على الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم، جاء وكأنه حجر ضخم جرى إلقاؤه في مياه ساكنة.
فهذا الحزب الفائز لا يداري أفكاره المتشددة، ولا يتخفى وهو يتكلم عن كراهيته للمهاجرين ورغبته في طردهم من أي مكان في ألمانيا!
وهذا معناه أنه لو فاز في انتخابات البرلمان المقبلة، فسوف يشكل الحكومة في برلين، وسوف يسارع إلى تطبيق أفكاره المخاصمة للعصر ضد المهاجرين، وسوف يكون فوزه تشجيعًا للناخبين المتشددين في بلاد أوروبية أخرى في اتجاه التصويت للأحزاب المتشددة مثله، وستفقد أوروبا بالتالي روحها المنفتحة التي عاشت عليها.
صحيح أنه حصل في سباق سكسونيا على ٤٤٪ من الأصوات، وصحيح أن هذه نسبة لا تؤهله للحكم وحده، بافتراض فوزه بها على مستوى ألمانيا كلها، لا في نطاق مقاطعة واحدة من المقاطعات، وصحيح أنه لو حصل عليها في انتخابات عامة سيظل في حاجة إلى التحالف مع أحزاب أخرى لتشكيل حكومة، ولكن الأصح أن حصول حزب متشدد مثله على هذه الأكثرية في سباق المقاطعة الشهيرة، يكشف عن تشدد لدى الناخبين أنفسهم قبل أن يكون لدى الحزب، وهذه مسألة مخيفة لمن يعرف طبيعة روح أوروبا المنفتحة على مستوى الغالبية من آحاد الناس.
المزعج في الأمر كله أن يعلن ترمب سعادته بفوز هذا الحزب، بل ويكتب على صفحته الخاصة مهنئًا إياه ومبتهجًا بفوزه في سباق سكسونيا!
وقد كان الطبيعي أن يستفز هذا الموقف الترمبي السخيف أركان الحكم في برلين، وأن يعلن المستشار فريدريش ميرتس، زعيم الحزب الحاكم في دار المستشارية الألمانية، إلغاء مكالمة تليفونية كان من المقرر أن تجري بينه وبين ترمب.
هذا أقل واجب ألماني تجاه ترمب، الذي يبدو بتهنئته وكأنه يسعده تخريب بلاد الألمان، وأن يكون ذلك على يد حزب متطرف يخاصم العصر، وتتصادم أفكاره مع كل الأفكار المعتدلة التي تتصالح مع الناس، ومع المهاجرين الحالمين الذين إذا لم يجدوا أحلامهم متحققة في بلد، سعوا إلى تحقيقها في بلد آخر بامتداد أرض الله الواسعة.
الأمل أن يكون نجاح الحزب بهذه النسبة في سكسونيا فرصة ينتبه فيها الناخب الألماني، ثم الأوروبي، إلى أن التشدد والتطرف ليسا مصلحة ألمانية ولا أوروبية.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

