التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، بيتر ماچار، رئيس وزراء المجر، بمقر البرلمان المجري في العاصمة بودابست، وذلك في إطار الزيارة الرسمية التي يقوم بها إلى المجر، حيث عقد الجانبان مباحثات ثنائية وموسعة تناولت سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وقال السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، إن رئيس الوزراء المجري استقبل الرئيس السيسي لدى وصوله إلى مقر البرلمان، وقدم له شرحًا حول التاج الملكي المقدس، الذي يُعد رمزًا للدولة والحكم في المجر.
وأعقب ذلك مصافحة الرئيس ورئيس الوزراء المجري لوفدي البلدين، والتقاط صورة تذكارية، ثم عقد لقاء ثنائي، تلاه اجتماع موسع بحضور وفدي البلدين.
وأضاف المتحدث الرسمي أن رئيس الوزراء المجري رحب بزيارة الرئيس السيسي، مؤكدًا اعتزاز بلاده بعلاقات الشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين، وحرصها على مواصلة تطويرها وتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين الصديقين.
من جانبه، أعرب الرئيس السيسي عن شكره وتقديره لرئيس الوزراء المجري على دعوته لزيارة المجر، مشيدًا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وما تشهده العلاقات الثنائية من تطور متواصل يعكس عمق الروابط بين البلدين ويعزز مصالحهما المشتركة.
وأكد الرئيس أهمية مواصلة الارتقاء بالعلاقات المصرية المجرية، سواء على المستوى الثنائي أو في إطار الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي، بما يفتح آفاقًا أرحب للتعاون ويخدم تطلعات الجانبين.
السيسي: 2028 محطة مهمة في العلاقات المصرية المجرية
وفي كلمته خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء المجري، أعرب الرئيس السيسي عن تهنئته لبيتر ماچار بمناسبة توليه مسؤولية قيادة الحكومة المجرية، متمنيًا له ولحكومته التوفيق في أداء مهامهما، كما هنأ الشعب المجري بمناسبة ذكرى ثورة 23 أكتوبر 1956، التي تعكس اعتزازه بحريته وهويته الوطنية.
وأكد الرئيس أن العلاقات المصرية المجرية تمتد إلى تاريخ طويل من الصداقة والشراكة الاستراتيجية في العديد من المجالات، مشيرًا إلى أنها أثبتت على مدار عقود قدرتها على الاستمرار والتطور رغم اختلاف الظروف السياسية وتغير الحكومات، بما يعكس عمق الروابط بين الشعبين وارتكازها على أسس متينة ورؤية طويلة الأجل لمصالح البلدين.
وأشار إلى إسهام شخصيات مصرية ومجرية بارزة في توطيد العلاقات بين البلدين، مستشهدًا بالمهندس المعماري المجري ماكس هرتس باشا، الذي اضطلع بدور مهم في حفظ وترميم عدد من الآثار الإسلامية والقبطية، وأسهم في صون جانب من التراث المعماري التاريخي للقاهرة في بدايات القرن العشرين.
وأوضح أن هذا النموذج يعكس امتداد التعاون بين البلدين إلى مجالات الثقافة والمعرفة وصون التراث الإنساني المشترك، وليس الاقتصار على العلاقات السياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، أعرب الرئيس عن تطلع مصر والمجر إلى العمل المشترك لجعل عام 2028، الذي يوافق مرور 100 عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، محطة مهمة في مسيرة التعاون المشترك.
وكشف أنه وجه الدعوة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المجريين لزيارة مصر في إطار هذه المناسبة، بهدف توسيع مجالات الشراكة الاستراتيجية ووضع أسس عملية لآفاق جديدة من التعاون.
تعاون مصري مجري في الطاقة والغاز الطبيعي
وفيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي والاستثماري، قال الرئيس السيسي إن المباحثات تناولت سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، في ضوء التطور الملحوظ الذي شهدته خلال الأعوام الماضية.
وأضاف أن الجانبين اتفقا على الانخراط في محادثات استكشافية للاستفادة من الإمكانات التي تمتلكها مصر في مجال البنية التحتية للطاقة، وشبكات نقل الغاز، ومرافق استقبال وإعادة تداول الغاز الطبيعي المسال، وذلك وفقًا لما تسفر عنه الدراسات الفنية والتجارية ذات الصلة.
وأوضح أن المباحثات تناولت أيضًا آليات تعزيز الروابط بين مؤسسات الأعمال، والفرص المتاحة أمام مجتمع الأعمال المجري في مصر، للاستفادة من المزايا التنافسية التي يوفرها الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها الموقع الاستراتيجي، واتساع السوق، وشبكات النقل والموانئ، والاتفاقات التجارية التي تتيح النفاذ إلى أسواق إقليمية ودولية واسعة.
ولفت الرئيس إلى الفرص التي توفرها المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة في مصر، وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تتيح للمستثمرين بيئة ملائمة لإقامة المشروعات الصناعية واللوجستية والتصديرية، بفضل ما توفره من بنية تحتية متطورة وموقع مهم للنفاذ إلى الأسواق الإفريقية والعربية، فضلًا عن دورها كمركز رئيسي لتحقيق التكامل في سلاسل الإمداد بين المناطق المختلفة.
كما أعرب عن تقديره لرؤية رئيس الوزراء المجري بشأن إحياء مجموعة «فيشجراد» وتعزيز دورها بين دول وسط أوروبا، باعتبارها قناة مهمة للتواصل مع دول الجنوب من خلال صيغة «فيشجراد بلس»، مؤكدًا تطلع مصر إلى تعزيز قنوات التواصل مع دول المجموعة بما يفتح آفاقًا جديدة للشراكة الاقتصادية والاستثمارية.
مكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب وأمن الحدود
وأشار الرئيس السيسي إلى أن المباحثات تناولت آليات تعزيز التعاون بين مصر والمجر في إطار علاقاتهما الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، خاصة أن البلدين تجمعهما اهتمامات مشتركة في عدد من الملفات، وفي مقدمتها مكافحة الهجرة غير الشرعية، ومواجهة الإرهاب، وتعزيز أمن الحدود، وأمن ممرات التجارة الدولية.
وأكد أن هذه الملفات تمثل ركائز أساسية للأمن والاستقرار في أوروبا ومنطقتي الشرق الأوسط وإفريقيا.
السيسي: لا سلام مستدامًا دون تسوية عادلة للقضية الفلسطينية
وعلى صعيد القضايا الإقليمية والدولية، قال الرئيس إن المباحثات أتاحت فرصة لتبادل الرؤى بشأن عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، خاصة أن أمن المنطقة لا ينفصل عن أمن أوروبا.
وأكد أن تحقيق السلام المستدام في الشرق الأوسط لن يكون ممكنًا دون التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، بما يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب دولة إسرائيل، تعيشان جنبًا إلى جنب في سلام وأمن.
وشدد الرئيس على رفض مصر القاطع لأي محاولات تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي أو الجغرافي في قطاع غزة والضفة الغربية، أو الانتقاص من حقوق الشعب الفلسطيني أو تهجيره من أرضه، محذرًا من أن ذلك سيترتب عليه تداعيات وخيمة، بما في ذلك على أوروبا.
وفي هذا الإطار، أعرب عن تطلع مصر إلى تضافر الجهود الدولية لتخفيف المعاناة عن الفلسطينيين في قطاع غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتهيئة الظروف لاستئناف مسار سياسي جاد يضع حدًا للصراع الممتد ويفتح الطريق أمام تحقيق السلام العادل والدائم.
تطورات السودان والقرن الإفريقي والأزمة الأوكرانية
ولفت الرئيس إلى أن المباحثات تطرقت كذلك إلى تطورات الأوضاع في السودان ومنطقة القرن الإفريقي والصومال، وما تفرضه من تحديات على الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.
وأكد أن احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها والالتزام بقواعد القانون الدولي يمثلان أساسًا لا غنى عنه للحفاظ على الاستقرار.
كما تبادل الجانبان وجهات النظر بشأن الأزمة الأوكرانية، حيث أكد الرئيس موقف مصر الثابت بشأن أهمية تغليب الحلول السياسية وخفض التصعيد، واحترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وحرص مصر على مواصلة الاضطلاع بكافة الجهود الممكنة لدعم مساعي التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة.
وفي ختام كلمته، أكد الرئيس السيسي أن ما يجمع مصر والمجر من تاريخ عريق ومصالح مشتركة ورؤية طموحة للمستقبل، يضع على عاتق البلدين مسؤولية مشتركة للارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى يتناسب مع إمكاناتهما ومكانتهما.
وأعرب عن ثقته بأن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من التطور في مسار العلاقات الثنائية، وأن الاحتفال بمئوية العلاقات الدبلوماسية عام 2028 سيمثل نقطة انطلاق نحو آفاق أرحب للتعاون.
وجدد الرئيس شكره لرئيس الوزراء المجري، مؤكدًا تطلعه إلى مواصلة العمل المشترك خلال المرحلة المقبلة للارتقاء بالعلاقات بين البلدين وتحقيق مصالح الشعبين الصديقين وتعزيز الاستقرار والازدهار المشترك.

