يُعد التمييز أحد أبرز التحديات التي تعرقل مسار التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية في أي مجتمع، وقد أولى المشرع المصري هذا الملف اهتمامًا بالغًا عبر وضع مجموعة من القواعد الدستورية والقانونية الصارمة التي تحظر التمييز بكافة أشكاله، إلا أن الفجوة تظل قائمة بين النصوص النظرية والممارسات الواقعية التي تظهر بوضوح في عدة قطاعات حيوية، مثل قطاع السياحة، وسوق العمل، وتولي المناصب.
لقد حرصت الدساتير المصرية المتعاقبة، وتحديدًا دستور 2014 المعدل في عام 2019، على إرساء مبدأ المواطنة المتكافئة، وتنص المادة 53 بوضوح على أن: “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر”. كما جرمت ذات المادة كل أشكال التمييز، وألزمت الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء عليه، مع إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض. وعلى صعيد التشريعات الجنائية، تضمن قانون العقوبات مواد تعاقب على كل فعل يتضمن ازدراءً للأديان أو تحريضًا على التفرقة والكراهية والإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص.
وتعتبر الأماكن العامة (كالحدائق، ووسائل النقل، والمطاعم، والشواطئ، والمؤسسات الخدمية) هي المرآة الحقيقية لمدى تجانس المجتمع وحيويته، وعندما تخضع هذه الفضاءات لسياسات أو ممارسات تمييزية، تبرز تداعيات سلبية على السلم الأهلي، مثل تغذية مشاعر الغبن والإقصاء، حيث يؤدي حرمان فئات معينة من ارتياد الأماكن العامة أو تقييد حركتها بناءً على العرق، أو اللون، أو المعتقد، أو المستوى الاجتماعي إلى شعور عميق بالدونية والظلم، وهو الشرارة الأولى لتأجيج الاحتقان المجتمعي. بالإضافة إلى تفكك النسيج الاجتماعي وانعدام الثقة، بما يؤدي إلى خلق “جيتوهات” وعزلات مجتمعية، فتنعزل المجموعات المتضررة عن بقية مكونات المجتمع، مما يضعف أواصر التضامن والتعايش السلمي، ويحول التنوع إلى مصدر صراع بدلًا من أن يكون مصدر غنى. وجميعها تهدد الاستقرار الأمني والسلم الأهلي برمته.
وعلى الرغم من كفالة الدستور لحرية ارتياد الأماكن العامة، يثور سنويًا جدل واسع حول ظاهرة التمييز الطبقي والجغرافي في بعض المصايف والقرى السياحية الساحلية، خصوصًا في الساحل الشمالي وبعض المنتجعات الخاصة. وتفرض إدارة بعض الشواطئ قيودًا صارمة وقواعد دخول تعسفية تحت مسميات “الخصوصية” أو “قواعد اللباس”، التي تُستخدم أحيانًا كأغطية لرفض دخول أبناء الطبقات المتوسطة أو الشعبية، أو التمييز بناءً على المظهر الخارجي والمستوى الاجتماعي. يمثل هذا السلوك انتهاكًا صريحًا للنصوص الدستورية التي تمنع التمييز بسبب المستوى الاجتماعي أو الجغرافي، مما يولد شعورًا بالإقصاء والتهميش لدى قطاع عريض من المواطنين داخل بلدهم.
ولا يقل ملف التمييز في بيئة العمل خطورة عن نظيره في الأماكن العامة؛ وتعتبر بيئة العمل العادلة هي المحرك الأساسي للاقتصاد والتقدم، وغياب معايير الكفاءة لصالح المحسوبية أو التمييز القائم على الاعتبارات الشخصية أو الهوياتية يترك آثارًا كارثية على الدول والمجتمعات، مثل هجرة العقول ونزيف الكفاءات. فحين تُغلق الأبواب أمام الكفاءات المتميزة بسبب التمييز، تضطر هذه العقول النابهة إلى البحث عن بيئات حاضنة خارج حدود وطنها، مما يحرم الدولة من طاقات بشرية فذة يصعب تعويضها، فضلًا عن انخفاض الإنتاجية وتراجع الابتكار. كما يكرس التمييز ثقافة “الولاء على الكفاءة”، مما يؤدي إلى تصدر عناصر ضعيفة لإدارة المرافق الحيوية، وبالتالي انهيار جودة العمل. بالإضافة إلى إهدار الموارد الوطنية، فعندما تنفق الدولة ميزانيات ضخمة على تعليم وتدريب أبنائها وتأهيلهم، وعندما يُمارس التمييز ضدهم في أسواق العمل، تتحول هذه الاستثمارات الوطنية إلى طاقات معطلة ومحبطة، وهو ما يمثل خسارة اقتصادية واجتماعية فادحة للمجتمع ككل.
وعلى الرغم من إقرار قانون العمل وقوانين الخدمة المدنية بمبدأ تكافؤ الفرص، لا تزال هناك تحديات هيكلية تواجه بعض الفئات مثل المرأة وذوي الإعاقة، رغم صدور قوانين داعمة لهم، فضلًا عن المحاباة المرتبطة بالانتماء الجغرافي أو الاجتماعي أحيانًا.
إن التمييز بمختلف أشكاله آفة مدمرة تهدد بنيان المجتمعات واستقرارها، وتتضاعف هذه الخطورة عندما يتسلل إلى الفضاءات العامة وبيئات العمل، ليتحول من مجرد سلوك فردي مرفوض إلى معول هدم للسلام الاجتماعي والتنمية المستدامة.
ولا يجب النظر إلى محاربة التمييز في الشارع والعمل بأنها مجرد شعارات حقوقية، بل هي ضرورة أمنية واقتصادية قصوى؛ فالسلام الأهلي لا يزدهر إلا في بيئة تحترم الكرامة الإنسانية، والتنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بتمكين الكفاءات بغض النظر عن أي اعتبار ضيق. إن القضاء على التمييز في مصر لا يتطلب نصوصًا تشريعية جديدة بقدر ما يحتاج إلى تفعيل صارم للآليات الرقابية، وتفعيل دور المفوضية المختصة لمكافحة التمييز، ونشر الوعي الثقافي والمجتمعي بقيم المواطنة والمساواة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

