الأحد, أكتوبر 4

لم يعد الصراع المسلح الذي تشهده مناطق شمال إثيوبيا، منذ 23 سبتمبر الماضي، شأنًا داخليًّا خالصًا. فالتوترات القائمة مع إريتريا، واستمرار الحرب في السودان، والتنافس المتزايد في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كلها عوامل ترفع من احتمالات تداخل هذه الأزمة مع ترتيبات الأمن الإقليمي الأوسع.

وتشير التطورات على الأرض والمعطيات الحالية بشكل عام إلى أن الأزمة الإثيوبية الراهنة ما تزال مفتوحة على أكثر من مسار، في ظل تداخل العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية وصعوبة تحقيق حسم سريع من جانب أي من الأطراف المتصارعة. كما أن الطبيعة المركبة للصراع واتساعه الجغرافي وتراكم الأزمات المرتبطة بالهوية والفيدرالية وتوزيع السلطة تجعل مستقبل الأزمة مرهونًا بتفاعلات تتجاوز حدود المواجهات العسكرية المباشرة. وبناء عليه يمكن الإشارة إلى السيناريوهات التالية:

أولًا، سيناريو “حرب استنزاف طويلة الأمد”: يمثل هذا السيناريو المسار الأكثر انسجامًا مع الخبرة التاريخية للصراعات الإثيوبية خلال العقود الماضية. ففي ظل اتساع رقعة العمليات وتشعب الجبهات، قد تعجز الحكومة عن تحقيق حسم عسكري كامل، كما قد تعجز القوى المسلحة المناوئة عن فرض تغيير جذري في موازين القوة. وعندئذ تدخل البلاد مرحلة طويلة من الاستنزاف العسكري والاقتصادي والسياسي. وفي هذا السياق تتعين الإشارة إلى أن إعلان القوات الحكومية استعادة السيطرة، خلال الـ24 ساعة الأخيرة، على مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي، لا يعني نهاية القتال أو حسم الصراع، في حال تأكد ذلك بالفعل. إذ أظهرت تجارب سابقة في تيجراي أن السيطرة على المدن لا تكفي لإنهاء الحرب، في ظل الطبيعة الجبلية للإقليم وقدرة الفصائل المسلحة على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد.

المهم أن أبرز نتائج هذا السيناريو تتمثل في تراجع قدرة الدولة على فرض السيطرة الكاملة على الأطراف، وزيادة أعباء النزوح والضغوط الإنسانية، وتباطؤ المشروعات الاقتصادية، وتآكل ثقة المستثمرين الأجانب. كما أن استمرار القتال لفترة طويلة قد يشجع على ظهور تحالفات جديدة بين الحركات المسلحة المختلفة، بما يؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني بصورة أكبر.

أما من منظور تاريخي، فإن هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان المراحل التي سبقت سقوط نظام منجستو عام 1991، حين استمرت الدولة شكليًّا لكنها كانت تتعرض تدريجيًّا لعمليات استنزاف متراكمة أضعفت قدرتها على الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على الأطراف.

ثانيًا، سيناريو “احتواء الصراع وإحياء مسار التسوية”: يقوم هذا السيناريو على نجاح القوات الحكومية في استعادة زمام المبادرة ميدانيًّا ومنع القوى المسلحة المعارضة من تحقيق اختراقات استراتيجية مؤثرة. وفي هذه الحالة قد تتجه الأطراف، بفعل الضغوط الداخلية والخارجية، إلى استئناف مسار التفاوض وإعادة تفعيل بعض بنود اتفاق بريتوريا. وتزداد فرص هذا السيناريو إذا تمكنت الحكومة من الحفاظ على تماسك المؤسسات العسكرية والأمنية، واستمرت الضغوط الدولية الداعية إلى تجنب الانزلاق نحو حرب أهلية واسعة جديدة.

إلا أن أهمية هذا السيناريو لا تكمن في إنهاء الصراع بصورة نهائية، بل في إعادة إنتاج حالة من الاستقرار النسبي المشابهة للمرحلة التي أعقبت توقيع اتفاق بريتوريا. ولذلك فإن أقصى ما يمكن أن يحققه هو تجميد الأزمة وليس معالجة أسبابها الجذرية.

ثالثًا، “سيناريو اتساع نطاق الصراع إقليميًّا”: يظل هذا السيناريو الأقل احتمالًا على المدى القصير، لكنه الأكثر خطورة من الناحية الاستراتيجية. فاستمرار القتال لفترة طويلة قد يؤدي إلى زيادة التداخل بين الأزمة الإثيوبية والصراعات الإقليمية المحيطة بها، خصوصًا في ظل التوتر القائم مع إريتريا، واستمرار الحرب في السودان، والتنافس المتصاعد في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي هذه الحالة قد تتحول الأزمة الإثيوبية من صراع داخلي متعدد الجبهات إلى بؤرة عدم استقرار إقليمية، بما ينعكس على الممرات التجارية والأوضاع الأمنية في القرن الأفريقي. كما قد يفضي تفاقم الصراع إلى تنامي التدخلات الخارجية المباشرة أو غير المباشرة، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو اللوجستي لأطراف مختلفة داخل النزاع.

رابعًا، سيناريو “إعادة تشكيل التوازن بين المركز والأقاليم في داخل إثيوبيا الفيدرالية”: يتمثل هذا السيناريو في أن تدفع الأزمة الحالية مختلف الأطراف إلى إدراك محدودية المقاربة العسكرية وصعوبة الحسم بالقوة. وعندئذ قد تتبلور عملية سياسية أوسع لا تقتصر على وقف القتال، وإنما تمتد إلى إعادة النظر في بعض أسس العلاقة بين المركز والأقاليم، ومستقبل الفيدرالية الإثنية، وآليات توزيع السلطة والثروة داخل الدولة.

رغم أن هذا السيناريو يبدو بعيد المنال حاليًّا، فإنه قد يمثل المسار الوحيد القادر على كسر الحلقة التاريخية المتكررة للصراع الإثيوبي. ذلك أن معظم التسويات السابقة نجحت في إنهاء جولات الحرب، لكنها لم تنجح في معالجة الأسباب البنيوية التي كانت تقود إلى اندلاع جولات جديدة من العنف.

الخلاصة، في ضوء المعطيات المتوافرة حاليًّا يبدو أن سيناريو حرب الاستنزاف الطويلة هو الأقرب للتحقق خلال المدى المنظور، نظرًا لتعدد بؤر التوتر وصعوبة الحسم السريع لأي طرف. ويليه سيناريو الاحتواء الجزئي للصراع عبر تسويات محدودة أو تفاهمات مؤقتة.

أما سيناريو التوسع الإقليمي فيظل احتمالًا قائمًا لكنه مرتبط بحدوث تطورات استثنائية تؤدي إلى زيادة الانخراط الخارجي في الأزمة. في حين يبقى سيناريو إعادة تشكيل النظام السياسي هو الأقل احتمالًا في الأجل القصير، رغم كونه الأكثر قدرة على إنتاج استقرار مستدام إذا ما توفرت له الظروف المناسبة.


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version