تباينت آراء الأكاديميين والمتخصصين في الإعلام بشأن لقاء الكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام بصناع المحتوى والمؤثرين، الذي عُقد يوم الأحد الماضي الموافق 1 نوفمبر 2026، بمشاركة نحو 70 من أبرز المؤثرين في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية، وتجاوز إجمالي عدد متابعيهم 500 مليون متابع.
وبينما رأى بعض الأكاديميين أن اللقاء يمثل خطوة إيجابية تواكب التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي، وتفتح قنوات للتواصل مع قوى جديدة أصبحت مؤثرة في تشكيل الرأي العام، اعتبر آخرون أن أهمية الفكرة لا تعني سلامة آليات تنفيذها، مشيرين إلى ضرورة مراجعة معايير اختيار المؤثرين، وتحديد أوجه الاستفادة منهم، مع إعطاء أولوية لتطوير الصحفيين والإعلاميين والمؤسسات القائمة.
وفي هذا السياق، استعرض 3 من أساتذة وخبراء الإعلام، في تصريحات لمصراوي، رؤاهم بشأن اللقاء ودلالاته، والآليات المطلوبة لتنظيم صناعة المحتوى والاستفادة من تأثيرها.
عميد إعلام الأزهر: لا تعارض بين دعم المؤثرين وتطوير الصحفيين
قال الدكتور رضا عبد الواجد أمين، عميد كلية الإعلام بجامعة الأزهر، إن لقاء وزير الدولة للإعلام بالمؤثرين يمثل خطوة إيجابية، مؤكدًا أن الدولة لم يعد بإمكانها تجاهل أصحاب الحسابات التي تحظى بمتابعات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، نظرًا لما يمتلكونه من قدرة على التأثير في المجتمع ونشر الأفكار، سواء بصورة إيجابية أو سلبية.
واستشهد “أمين” خلال حديثه لمصراوي، باجتماع عُقد في البيت الأبيض عام 2003، وضم مراسلين من مؤسسات إعلامية كبرى إلى جانب عدد من أبرز المدونين، موضحًا أن الإدارة الأمريكية كانت تدرك آنذاك تأثير المدونين في الجمهور، وهو ما يعكس أن التعامل مع المؤثرين ليس ظاهرة طارئة، بل يرتبط بتحولات ممتدة في طبيعة الاتصال والإعلام.
وأضاف أن التواصل مع المؤثرين يتيح توجيههم بصورة غير مباشرة نحو القضايا الملحة التي تهم الوطن والمواطن، وتعزيز مسؤوليتهم المجتمعية في توعية الجمهور وتقديم المعلومات والثقافة المبسطة، مشيرًا إلى أن بعض وسائل الإعلام التقليدية فقدت جانبًا كبيرًا من قدرتها على التأثير في الجمهور.
وشدد على أهمية توفير التدريب والأدوات الإعلامية للمؤثرين، وبحث سبل تقنين أوضاعهم، مؤكدًا ضرورة وجود قنوات تواصل مستمرة بينهم وبين الدولة، حتى لا تترك الساحة أمام أطراف أخرى قد تستغل تأثيرهم بما يتعارض مع المصالح الوطنية.
وفيما يتعلق بالانتقادات التي طالبت بإعطاء الأولوية لتطوير الصحفيين، أكد الدكتور رضا أمين أنه لا تعارض بين المسارين، داعيًا إلى تدريب الصحفيين وتأهيلهم للعمل في البيئة الرقمية، والتواصل مع المؤثرين الذين أثبتوا حضورهم، بالتزامن مع تطوير المناهج الأكاديمية بكليات وأقسام الإعلام، لإعداد خريجين قادرين على المنافسة وإنتاج محتوى جيد.
واعتبر عميد كلية الإعلام جامعة الأزهر، أن المؤسسات الصحفية والإعلامية لم يعد بإمكانها الاعتماد على تاريخها العريق فقط، دون دراسة التحولات الرقمية وتطوير أدواتها، محذرًا من أن تجاهل هذه المتغيرات قد يهدد استمرارها ومكانتها.
أحمد زارع: المؤثرون قوة إعلامية لا يمكن تجاهلها
من جانبه، وصف الدكتور أحمد زارع، أستاذ الإعلام والمتحدث الرسمي باسم جامعة الأزهر، اللقاء بأنه خطوة مهمة وإيجابية تعكس إدراكًا لطبيعة الإعلام الجديد، وما أصبح يمتلكه من قدرة على التأثير في تشكيل اتجاهات الرأي العام، خاصة بين الشباب والأجيال الجديدة.
وأوضح “زارع” لمصراوي، أن منصات التواصل الاجتماعي وصناعة المحتوى الرقمي أصبحت شريكًا أساسيًا في صناعة الوعي وتشكيل الثقافة المجتمعية، بعدما لم يعد التأثير الإعلامي مقتصرًا على الصحافة والإذاعة والتليفزيون.
وأشار إلى أن تجاوز إجمالي متابعي المشاركين في اللقاء 500 مليون متابع يكشف حجم القوة الإعلامية التي يمثلها هذا القطاع، ويؤكد ضرورة الاستفادة من إمكاناته في خدمة قضايا المجتمع والوطن.
وأكد أن صناعة المحتوى لا ينبغي اختزالها في تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة أو زيادة أعداد المتابعين، وإنما ترتبط بمسؤولية أخلاقية ومجتمعية، إذ يمكن أن تكون أداة للبناء والتنمية، كما قد تتحول إلى وسيلة للتضليل ونشر الشائعات وإثارة الانقسام إذا غابت عنها المسؤولية المهنية.
وشدد الدكتور أحمد زارع، على ضرورة تحقيق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية والأخلاقية، من خلال تنظيم المجال دون التضييق على المبدعين أو مصادرة حرية الرأي والاختلاف، مع توفير بيئة مهنية مناسبة لصناع المحتوى، تشمل إتاحة المعلومات وحماية الملكية الفكرية والتدريب المستمر وتيسير إجراءات العمل وفتح قنوات التواصل مع المصادر الرسمية.
واعتبر “زارع” أن معركة الوعي أصبحت من أهم معارك بناء الدولة وحماية استقرارها، وهو ما يتطلب صناع محتوى يمتلكون الوعي والعلم والمهنية، ويستطيعون مخاطبة الشباب بلغتهم وأدواتهم، وتقديم قضايا الوطن والمجتمع بصورة جادة ومقنعة بعيدًا عن الخطاب التقليدي المباشر.
سارة فوزي: آليات تنفيذ اللقاء تحتاج إلى مراجعة
في المقابل، رأت الدكتورة سارة فوزي، مدرس الإعلام الرقمي ورئيس وحدة الذكاء الاصطناعي بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أن الاجتماع في حد ذاته ليس أمرًا سلبيًا، لكن البيان الصادر عقب اللقاء تضمن مقترحات تثير تساؤلات بشأن آليات التعامل مع المؤثرين والاستفادة من قدراتهم.
وأوضحت “فوزي” لمصراوي، أن من بين هذه المقترحات إنشاء نقابة خاصة لصناع المحتوى، معتبرة أن تنظيم عمل المؤثرين لا يتطلب بالضرورة إنشاء كيان نقابي مستقل لهم، كما انتقدت المطالبة بتوفير استوديوهات وأماكن خاصة للتصوير، مشيرة إلى أن الأولى توجيه الدعم المؤسسي إلى الصحفيين الإلكترونيين وأقسام الإعلام الرقمي في القنوات التابعة لماسبيرو والشركة المتحدة.
وأضافت أن كثيرًا من المؤثرين يمتلكون بالفعل شركات وعلاقات تعاون مع منصات رقمية كبرى، مثل جوجل وتيك توك وميتا، فضلًا عن قدرتهم على جذب الرعاة بصورة مباشرة، خاصة في مجالات السياحة والمطاعم والأطعمة والرياضة.
ولفتت رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي بكلية الإعلام جامعة القاهرة، إلى أن بعض صناع المحتوى لا يمتلكون سجلات تجارية أو ملفات ضريبية تتيح إدماجهم بصورة واضحة في الاقتصاد الرسمي، كما أن هناك تساؤلات بشأن مدى التزام بعضهم بسداد الضرائب عن الأرباح التي يحققونها عبر المنصات الرقمية.
وانتقدت سارة فوزي معايير اختيار المشاركين في الاجتماع، موضحة أن بعضهم يقدم محتوى متميزًا في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بينما يعتمد جانب من المحتوى المنتشر على الصدمة والعنف والسخرية والتهكم والمشاحنات، وهي أنماط قد تحقق تفاعلًا مرتفعًا دون أن تعكس بالضرورة تأثيرًا إيجابيًا أو قبولًا مجتمعيًا.
وأكدت أن وزارة الدولة للإعلام ينبغي أن تعمل على اكتشاف مواهب جديدة بين خريجي كليات العلوم والكليات الإنسانية والاجتماعية، ممن يمتلكون القدرة على التواصل والحضور، وتأهيلهم لإنتاج محتوى متخصص، بدلًا من الاعتماد فقط على أصحاب الأعداد الكبيرة من المتابعين.
وحذرت الدكتورة سارة فوزي، من افتراض قدرة الوزارة على توجيه جميع المؤثرين أو تغيير طبيعة المحتوى الذي اعتاد جمهورهم متابعته، مشيرة إلى أن بعضهم قد يخسر جمهوره إذا انتقل بصورة مفاجئة إلى تقديم رسائل رسمية أو تناول موضوعات بعيدة عن طبيعة المحتوى الذي اشتهر به.

