أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، فجر اليوم الجمعة، النتائج النهائية الكاملة لانتخابات الكنيست السادس والعشرين بعد إتمام فرز 100% من الصناديق العادية و”المظاريف المزدوجة”؛ إذ بلغت نسبة المشاركة الرسمية 77.9% بإجمالي 5,716,665 صوتًا، منها 5,690,778 صوتًا صحيحًا و25,887 صوتًا باطلًا، بينما استقرت عتبة الحسم البالغة 3.25% عند 184,947 صوتًا، لتسفر الحصيلة عن توقف معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عند 53 مقعدًا مقابل 48 مقعدًا لمعسكر المعارضة بقيادة رئيس هيئة الأركان الأسبق وزعيم حزب “يشار” جادي آيزنكوت، و19 مقعدًا للقائمتين العربيتين، ما يدخل الكيان فعليًا في نفق الشلل البرلماني بعد فقدان نتنياهو الأغلبية البالغة 61 مقعدًا وارتباك حسابات الحكومة المقبلة.
التوزيع النهائي لمقاعد الكنيست
على صعيد التوزيع النهائي للمقاعد الـ 120، احتفظ حزب “الليكود” بزعامة نتنياهو بموقع الحزب الأكبر بحصده 27 مقعدًا، تلاه داخل معسكره كل من حزب “يهدوت هتوراه” برئاسة يعقوب آشر بـ 7 مقاعد، وحزب “عوتسما يهوديت” بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بـ 7 مقاعد، وحزب “شاس” بزعامة أرييه درعي بـ 6 مقاعد، وحزب “الصهيونية الدينية” بزعامة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بـ 6 مقاعد، ليهبط الائتلاف الحاكم بشدة مقارنةً بقوته في الكنيست المنتهية ولايته البالغة 68 مقعدًا.
وفي الضفة المقابلة، توزعت مقاعد المعارضة البالغة 48 مقعدًا بين حزب “يشار” بزعامة آيزنكوت بواقع 21 مقعدًا، وتحالف “بيحاد” (معًا) بزعامة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت بـ 12 مقعدًا، وحزب “الديمقراطيين” بزعامة يائير جولان بـ 8 مقاعد، وحزب “يسرائيل بيتينو” بزعامة أفيجدور ليبرمان بـ 7 مقاعد، فيما حصدت “القائمة المشتركة” برئاسة يوسف جبارين 11 مقعدًا و”القائمة العربية الموحدة – رعام” بزعامة منصور عباس 8 مقاعد، بينما سقطت ثلاث قوائم دون نسبة الحسم وهي قائمة “الاحتياط والاقتصاد” بقيادة وزير الاتصالات الأسبق يوعاز هندل بنسبة 2.63%، وحزب “شعب إسرائيل” بقيادة عوفر فينتر بنسبة 1.7%، وقائمة “الجمهور الحريدي” بنسبة 0.2%.
كيف فقد نتنياهو الأغلبية وقفزت العرب إلى 19 مقعدًا؟
تفسيرًا للمفارقة الرقمية وراء خسارة اليمين للأغلبية، كشف محلل البيانات في صحيفة “يديعوت أحرونوت” يارون دروكمان، أن معسكر نتنياهو خسر 11 مقعدًا مقارنةً بنتيجة انتخابات عام 2022 البالغة 64 مقعدًا رغم تحقيقه زيادة بنحو 83 ألف صوت، حيث تراجعت حصة التكتل من مجمل الأصوات الصحيحة من 48.38% في عام 2022 إلى 42.1% هذا الأسبوع.
وهبطت نسبة حزب “الليكود” من 23.41% إلى 20.51% رغم جمعه قرابة 1,163,400 صوت، بالتزامن مع انهيار حزب “شاس” بزعامة أرييه درعي والمرشد الروحي للحزب الحاخام يتسحاق يوسف بخسارته نحو 95 ألف صوت وهبوطه من 11 مقعدًا إلى 6 مقاعد جراء تمسكه بإعفاء الحريديم من التجنيد، وهو أدنى تمثيل لحزب “شاس” منذ عام 1992 وفق صحيفة “جلوبس”.
وبموازاة التباطؤ النسبي لكتلة اليمين أمام اتساع قاعدة المقترعين بنحو 19%، أوضح دروكمان أن القائمتين العربيتين (“القائمة المشتركة” و”رعام”) حققتا القفزة الأكبر بحصد نحو 835 ألف صوت مقارنةً بقرابة 511 ألف صوت قبل 4 سنوات بزيادة تفوق 63%، مدفوعتين بتسجيل مدينة سخنين أعلى نسبة تصويت على مستوى المدن المشاركة في التصويت كافة بواقع 86.4%، وانعدام هدر الأصوات تحت نسبة الحسم خلافًا لعام 2022 الذي ضاع فيه نحو 290 ألف صوت بسقوط حزبي “بلد” و”ميرتس”، ما منح الأحزاب العربية 19 مقعدًا في أعلى تمثيل لها منذ عام 1948، تزامنًا مع ارتفاع أصوات كتلة المعارضة بأكثر من 17% لتصل إلى نحو 2,141,700 صوت صحيح (37.76%).
تحقيق الشاباك حول نزاهة الانتخابات
أمام هذا الانقلاب في موازين الكنيست، حسمت المؤسستان القضائية والأمنية جدلًا أثير قاده المتطرفون في حكومة نتنياهو حول مزاعم التدخل الخارجي؛ إذ أعلن المحامي دين ليفني، المدير العام بالإنابة للجنة الانتخابات المركزية، في بيان مصور بموافقة قاضي المحكمة العليا ورئيس لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية نوعام سولبرج، أن رئيس جهاز الأمن العام “الشاباك” دافيد زيني عرض معلومات استخباراتية سرية عالية التصنيف أُطلع على خطوطها الرئيسية كل من نتنياهو ولبيد وآيزنكوت، جازمًا بأن “التقارير المنشورة طوال اليوم عارية تمامًا عن الصحة” وأن التحقيق يجري بالتوازي مع عمل اللجنة دون أي تأثير في النتائج النهائية ودون استهداف أي مجتمع بعينه.
وفي سياق متصل بتفاصيل الملف الجنائي المنفصل، أفادت صحيفة “جيروزاليم بوست” في تحديثاتها فجر اليوم نقلًا عن القناة 12 الإسرائيلية بأن مدير مكتب نتنياهو، عيدو نوردن، هو من نقل معلومات للشرطة الإسرائيلية قادت إلى توقيف 3 ناشطين من شقيب السلام وعرعرة النقب بشبهة الرشوة الانتخابية لصالح قائمة “رعام”، غير أن مصادر رفيعة في إنفاذ القانون أكدت أن القضية المنظورة أمام وحدة “لاهاف 433” منفصلة عن تحقيق “الشاباك” ومستبعد أن تفضي إلى لائحة اتهام بعد تبرير المشتبه بهم مصدر الأموال.
فيما نفى مكتب نتنياهو تلك الأنباء واتهمت قائمة “رعام” إيتمار بن غفير باستغلال الشرطة سياسيًا، وأكدت الشرطة الإسرائيلية غياب أي دليل يسند مزاعم “الليكود” بشأن “سرقة الانتخابات”.
مناورات التكتلات ومقترح الحريديم لكسر الشلل
وعلى خط التحركات الحزبية المتسارعة لطوق أزمة الأغلبية، عقد نتنياهو اجتماعًا تنسيقيًا مع سموتريتش لترتيب أوراق معسكر اليمين وفق صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، في وقت كشفت فيه صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن حزب “يهدوت هتوراه” الحريدي برئاسة يعقوب آشر يعتزم عرض رئاسة الوزراء على آيزنكوت مقابل تمرير قانون إعفاء المتدينين الحريديم من الخدمة العسكرية، رغم أن إضافة مقاعده الـ 7 ترفع رصيد المعارضة إلى 55 مقعدًا فقط بفارق 6 مقاعد دون الأغلبية وسط فيتو معلن من ليبرمان ضد الحريديم.
وفي رد عملي يغلق الباب أمام مقايضة الحريديم أو الشراكة مع نتنياهو، أعلن آيزنكوت تجهيز مشاريع قوانين لطرحها للتصويت فور افتتاح الكنيست السادس والعشرين في 10 نوفمبر المقبل، تشمل التجنيد الإلزامي الشامل وتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، بالتوازي مع كشف المحررة السياسية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” موران أزولاي عن مباحثات يجريها ممثلو آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق وزعيم تحالف “بيحاد” نفتالي بينيت وليبرمان لتشكيل تحالف ثلاثي ليمين الوسط وتفعيل سابقة المحكمة العليا لعام 2020 عبر جمع 61 توقيعًا للإطاحة برئيس الكنيست الإسرائيلي أمير أوحانا المنتمي لحزب “الليكود” بدعم برلماني موضعي من القائمتين العربيتين قبل تشكيل الحكومة.
لماذا تضغط المعارضة لإدخال 19 مقعدًا عربيًا؟
وتفسيرًا لتصاعد ضغط الشارع المعارض لكسر الخطوط الحمراء أمام تمثيل الأحزاب العربية، احتشد متظاهرون أمام منزل آيزنكوت في هرتسليا بمشاركة نائب رئيس بلدية تل أبيب-يافا أمير بدران هاتفين “لا تغيير بلا شراكة”، بالتزامن مع نشر صحيفة “جيروزاليم بوست” فجر اليوم نتائج استطلاع “مركز أكورد” بالجامعة العبرية الذي أظهر تأييد 61% من ناخبي أحزاب المعارضة الأربعة (“يشار” و”بيحاد” و”الديمقراطيين” و”يسرائيل بيتينو”) لتشكيل حكومة برئاسة آيزنكوت تضم قائمة “رعام” بزعامة منصور عباس، مقابل 20% فضلوا انتخابات جديدة، و12% أيدوا حكومة تناوب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، و7% فقط قبلوا التحالف مع الأحزاب الحريدية.
غير أن ترجمة هذا المزاج الشعبي إلى ائتلاف حاكم تصطدم برفض قادة يمين الوسط داخل المعارضة؛ فبينما يدفع زعيم حزب “الديمقراطيين” يائير جولان منفردًا نحو الشراكة مع الأحزاب العربية عقب لقائه زعيم قائمة “رعام” منصور عباس، جدد ليبرمان رفضه الجلوس مع القوائم العربية أو مع نتنياهو، مشترطًا ائتلافًا صهيونيًا لا يضم حزب “الليكود” إلا بقيادة بديلة عن نتنياهو، فيما دعا وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف جالانت إلى حكومة وحدة صهيونية واسعة تستبعد الاعتماد على الأحزاب العربية.

