لم تكن المعركة الانتخابية في البرازيل مجرد منافسة على مقعد الرئاسة، وإنما كانت اختبارًا حقيقيًا لقدرة اليسار على الصمود في مواجهة صعود اليمين، واستعادة الشارع بعد جولة أولى لم تكن نتائجها في صالحه، وفي النهاية، نجح لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في قلب الموازين، محققًا فوزًا رئاسيًا جديدًا على حساب منافسه اليميني فلافيو بولسونارو، في نتيجة تفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز حدود البرازيل إلى مستقبل التوازنات السياسية في أميركا اللاتينية.
حصل لولا على 64,256,232 صوتًا، بنسبة 51.79%، مقابل 59,826,041 صوتًا لمنافسه، بنسبة 48.21%، وفق الأرقام التي أُعلنت للنتيجة النهائية. الفارق لم يكن كاسحًا، لكنه كان كافيًا لحسم واحدة من أكثر المنافسات السياسية استقطابًا، في بلد تتقاطع فيه الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية مع صراع حاد على هوية الدولة واتجاهاتها السياسية.
القيمة الحقيقية للنتيجة لا تكمن في عدد الأصوات وحده، وإنما في قدرة لولا على العودة بعد الجولة الأولى، وتعبئة ناخبين جدد، والحفاظ على قاعدته التقليدية، في مواجهة تيار يميني أثبت أنه لا يزال يمتلك حضورًا جماهيريًا ومؤسسيًا واسعًا.
كيف انقلبت المعركة؟
في الانتخابات التي تُحسم على مرحلتين، لا تعني صدارة الجولة الأولى بالضرورة الاقتراب من الرئاسة، وإنما تمنح المرشح نقطة انطلاق في معركة جديدة تتغير فيها حسابات التحالفات والمشاركة والتصويت التكتيكي. وهذا تحديدًا ما يجعل الجولة الثانية مختلفة؛ فالمطلوب لم يعد حشد المؤيدين وحدهم، وإنما إقناع المترددين واستقطاب أصوات المرشحين الذين خرجوا من المنافسة.
استطاع لولا أن يستفيد من هذه المساحة، مع احتفاظه بثقل انتخابي واضح في الشمال الشرقي، أحد أهم معاقله التقليدية. وفي المقابل، ظل فلافيو بولسونارو منافسًا قويًا، وهو ما عكسه تقارب النسب النهائية، وأكد أن المجتمع البرازيلي لم يحسم انقساماته السياسية بمجرد إعلان النتيجة.
وهنا تظهر أهمية ما جرى على شبكات التواصل الاجتماعي. فالمعركة الرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من المنافسة السياسية، بعدما تحولت المنصات إلى ساحات لتشكيل الانطباعات، وتوجيه الرسائل، وحشد المؤيدين، والتأثير على الناخبين في اللحظات الحاسمة. ولم تعد قوة الحملة تُقاس بما تمتلكه من حضور إعلامي تقليدي فقط، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الجمهور داخل مساحاته اليومية، والتأثير على ما يراه ويسمعه ويتداوله.
لكن الحديث عن تأثير الخوارزميات أو وجود تدخلات أميركية سرية يحتاج إلى أدلة محددة، حتى لا تختلط الوقائع بالاستنتاجات السياسية. فالمؤكد أن الانتخابات جرت في مناخ شديد الاستقطاب، أما تحديد الأطراف التي تدخلت، وحجم تأثيرها، ومدى انعكاس ذلك على النتيجة، فيحتاج إلى توثيق مستقل.
البرازيل ليست تفصيلًا في خريطة أميركا اللاتينية
تكمن أهمية فوز لولا في موقع البرازيل نفسها. فنحن نتحدث عن دولة ذات ثقل سكاني واقتصادي كبير، وموارد واسعة، وقدرة على التأثير في محيطها الإقليمي، فضلًا عن حضورها في المؤسسات والتكتلات الدولية.
ولهذا، فإن اتجاه البرازيل السياسي ليس شأنًا داخليًا خالصًا. فحين تتبنى برازيليا سياسة خارجية أكثر استقلالًا، وتوسع علاقاتها مع القوى الصاعدة، وتدعم التعاون بين دول الجنوب، فإنها تفتح مساحات جديدة للحركة أمام دول المنطقة، وتؤثر في طبيعة التوازنات داخل النظام الدولي.
ومن هنا تبرز أهمية مجموعة بريكس، التي تمثل أحد الأطر التي تسعى من خلالها البرازيل إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية والسياسية. فالقضية لا تتعلق بعضوية مجموعة دولية في حد ذاتها، وإنما بقدرة الدولة على تنويع خياراتها، وتوسيع أسواقها، وتعزيز موقعها التفاوضي في مواجهة القوى الاقتصادية الكبرى.
كما أن عودة لولا تمنح التيار اليساري في أميركا اللاتينية دفعة سياسية، لكنها لا تعني بالضرورة نهاية المد اليميني. فالتجربة البرازيلية نفسها تؤكد أن التيارات السياسية يمكن أن تتراجع انتخابيًا ثم تعود بقوة، وأن تغيير اتجاه الحكم لا يمحو القواعد الاجتماعية أو المصالح الاقتصادية التي تستند إليها القوى المنافسة.
واشنطن في الخلفية.. صراع النفوذ وحدود التأثير
العلاقة بين البرازيل والولايات المتحدة أحد الملفات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة. فواشنطن تنظر إلى أميركا اللاتينية باعتبارها مجالًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، بينما تسعى قوى إقليمية إلى توسيع استقلالها في اتخاذ القرار، وتنويع علاقاتها الدولية، وعدم حصر خياراتها في شريك واحد.
وفي هذا السياق، يحمل فوز لولا دلالة سياسية واضحة: أن اتجاهات الناخبين البرازيليين لا يمكن اختزالها في حسابات القوى الخارجية، وأن الصراع على مستقبل البلاد يظل مرتبطًا، في المقام الأول، بالتوازنات الداخلية ومواقف الناخبين.
ومع ذلك، فإن استقلال القرار الوطني لا يُقاس بالشعارات، وإنما بقدرة الدولة على حماية مصالحها، وتطوير اقتصادها، وإدارة علاقاتها الخارجية من موقع يسمح لها بالتفاوض والمناورة، وسيكون على لولا أن يثبت أن توجهاته الدولية قادرة على تحقيق مكاسب ملموسة للبرازيل، لا مجرد تقديم خطاب سياسي مختلف.
القضية الفلسطينية.. ماذا تعني عودة لولا للعالم العربي؟
بالنسبة إلى العالم العربي، لا تقتصر أهمية البرازيل على حجمها الاقتصادي أو علاقاتها التجارية، وإنما تمتد إلى مواقفها الدبلوماسية من القضايا الدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وتاريخيًا، تبنت البرازيل مواقف داعمة لحل الدولتين وحقوق الشعب الفلسطيني، كما شهدت سياستها الخارجية في عهد لولا اهتمامًا بتوسيع دورها في القضايا الدولية. ولذلك، فإن عودته تفتح المجال لمتابعة ما إذا كانت برازيليا ستواصل هذا النهج، وكيف ستترجمه إلى تحركات داخل الأمم المتحدة والمحافل متعددة الأطراف.
لكن الموقف السياسي وحده لا يكفي؛ فالقيمة الحقيقية لأي دعم دولي تظهر في القدرة على بناء تحالفات، والتأثير في القرارات، وتوفير مساحات سياسية ودبلوماسية أوسع للقضايا العادلة.
الفوز بالرئاسة شيء.. والحكم شيء آخر
هنا تبدأ أصعب مراحل المعركة. فالرئيس الذي يحسم الانتخابات لا يحصل بالضرورة على تفويض مفتوح من مؤسسات الدولة، ولا يضمن أن تتحول وعوده الانتخابية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
فاليمين البرازيلي لا يزال يتمتع بنفوذ برلماني مهم، وهو ما يضع لولا أمام ضرورة بناء تحالفات مع قوى مختلفة، والتفاوض على التشريعات والميزانيات، والتعامل مع معارضة تستطيع تعطيل أجزاء من برنامجه أو فرض تنازلات عليه.
وإلى جانب ذلك، ستظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية اختبارًا مباشرًا لنجاح الولاية الجديدة. فالناخب الذي يمنح صوته لمرشح على أساس وعوده بتحسين المعيشة وتوسيع الفرص لا ينتظر طويلًا قبل أن يقارن بين الخطاب والواقع.
ومن ثم، فإن التحدي ليس في الاحتفال بالانتصار، وإنما في تحويله إلى نتائج يشعر بها المواطن البرازيلي، من دون أن يفقد الرئيس قدرته على إدارة الانقسام السياسي أو الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
ما بعد الانتخابات.. المعركة مستمرة
تكشف التجربة البرازيلية عن حقيقة تتجاوز أسماء المرشحين، فالانتخابات قد تحسم من يتولى السلطة، لكنها لا تنهي الصراع على اتجاه الدولة. فاليمين الذي خسر الرئاسة لا يزال حاضرًا في البرلمان والشارع، واليسار الذي استعاد الحكم مطالب بإثبات قدرته على الإدارة والإنجاز، لا الاكتفاء باستثمار رمزية الانتصار.
وهنا تكمن أهمية فوز لولا؛ فهو انتصار انتخابي يمنح اليسار فرصة جديدة، لكنه يضعه أيضًا أمام اختبار صعب. فإما أن ينجح في تحويل التفويض الشعبي إلى سياسات فعالة وشراكات دولية أكثر استقلالًا، وإما أن تتحول التوقعات المرتفعة إلى نقطة ضغط عليه في مواجهة خصومه.
وفي عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ، وتعيد فيه دول الجنوب البحث عن مساحة أوسع لصنع القرار، ستظل البرازيل دولة يصعب تجاهل خياراتها. أما لولا، فسيكون مطالبًا بإثبات أن العودة إلى الرئاسة ليست نهاية معركة سياسية طويلة، وإنما بداية المرحلة الأصعب فيها.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

