ليست مسألة إرسال جنود مصريين إلى السعودية مجرد اختبار للتضامن العربي، بل قرار استراتيجي تحكمه حسابات الأمن القومي والمصالح الإقليمية والدولية. فالعلاقة بين مصر والسعودية تاريخية ومهمة، واستقرار كل منهما يرتبط بدرجات مختلفة باستقرار المنطقة، لكن ذلك لا يعني أن كل تهديد تتعرض له إحدى الدولتين يستدعي تلقائيًا تدخلًا عسكريًا من الأخرى.
حين يُطرح احتمال إرسال قوات مصرية، يجب أولًا تحديد طبيعة التهديد، وحدود المهمة، والهدف السياسي منها. هل يتعلق الأمر بدفاع مباشر عن الأراضي السعودية، أم بانخراط في مواجهة إقليمية مفتوحة قد تتجاوز أهدافها المعلنة؟ فالقوات المسلحة المصرية ليست أداة تُستدعى مع كل أزمة، وأي انتشار خارج الحدود ينبغي أن يُقاس بما يحققه من أمن، وما قد يترتب عليه من مخاطر.
والتاريخ يثبت أن الدخول في الصراعات أسهل كثيرًا من تحديد لحظة الخروج منها. فقد تبدأ المهمة محدودة، ثم تتسع بفعل التطورات الميدانية والسياسية، لتجد الدولة نفسها أمام التزامات لم تكن ضمن حساباتها الأولى.
كما أن القرار المصري لا ينفصل عن الخريطة الدولية. فالولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وقوى أخرى تملك حساباتها في الخليج والبحر الأحمر وممرات الطاقة والتجارة، لذلك لا يمكن النظر إلى أي مواجهة محتملة باعتبارها شأنًا ثنائيًا، خصوصًا إذا كانت نتائجها قد تمتد إلى الإقليم كله.
وتحتاج القاهرة إلى دراسة انعكاسات أي مشاركة على أمن البحر الأحمر وقناة السويس، والحدود المصرية، والاقتصاد، وعلاقاتها الإقليمية والدولية. كما ينبغي التمييز بين الدفاع عن دولة تتعرض لهجوم مباشر، والمشاركة في حرب مفتوحة الأهداف والنهايات.
ولا يعني دعم السعودية بالضرورة إرسال قوات. فقد يكون الدعم سياسيًا أو دبلوماسيًا أو دفاعيًا، وقد يصبح عسكريًا إذا توافرت أسبابه وشروطه القانونية والاستراتيجية. فالمسألة ليست اختبارًا للمشاعر، بل اختبار لقدرة الدولة على التمييز بين ما ترغب في فعله وما تستطيع تحمل نتائجه.
وفي النهاية، السؤال الأهم ليس: هل ترسل مصر جنودها؟ بل: ما الحرب التي ستدخلها، وما الهدف الذي ستسعى إلى تحقيقه، وما الضمانات التي تمنع تحول المهمة المحدودة إلى مواجهة أكبر؟
إن إرسال الجنود قرار ثقيل، يجب أن تسبقه حسابات دقيقة، وأهداف واضحة، وتقدير صريح للكلفة والنتائج، بما يحفظ المصالح المصرية والمسؤولية العربية في آن واحد.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

