التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، في العاصمة الإندونيسية جاكرتا، الرئيس برابوو سوبيانتو، رئيس جمهورية إندونيسيا، بمقر قصر الرئاسة الإندونيسي «ميرديكا»، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية ودفع أوجه التعاون المشترك بين البلدين.
وصرح السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، بأن الرئيس الإندونيسي استقبل الرئيس السيسي لدى وصوله إلى قصر الرئاسة، حيث أُجريت مراسم الاستقبال الرسمية، التي تضمنت عزف السلامين الوطنيين لجمهورية مصر العربية وجمهورية إندونيسيا، وإطلاق المدفعية 21 طلقة، وتفقد حرس الشرف، والتقاط صورة تذكارية، وتوقيع الرئيس السيسي في سجل الزيارات.
وأضاف المتحدث الرسمي أن اللقاء بدأ بمباحثات ثنائية بين الرئيسين، أعقبتها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، أكد خلالها الرئيس السيسي اعتزازه بزيارة إندونيسيا، مشددًا على أهمية مواصلة العمل لتطوير مختلف جوانب الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
من جانبه، رحب الرئيس الإندونيسي بزيارة الرئيس السيسي، مؤكدًا تطلع بلاده إلى دفع التعاون الثنائي مع مصر في مختلف المجالات، وتعزيز التشاور السياسي بشأن القضايا الإقليمية والدولية.
رفع التبادل التجاري إلى 5 مليارات دولار بحلول 2030
وفي ختام المباحثات، شهد الرئيسان التوقيع على 4 مذكرات تفاهم بشأن التعاون في مجالات الشؤون البحرية ومصايد الأسماك، والتعاون الإحصائي، وخطة العمل الخاصة بالشراكة الاستراتيجية، والإعفاء من تأشيرات الدخول لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والمهمة والخاصة، قبل عقد مؤتمر صحفي مشترك.
وأكد الرئيس السيسي، خلال كلمته بالمؤتمر الصحفي، اعتزازه بزيارة إندونيسيا، موجهًا الشكر إلى الرئيس برابوو سوبيانتو على كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال، كما أعرب عن تقديره لحفاوة الشعب الإندونيسي واستقباله، معتبرًا اصطفاف المواطنين في الميادين والشوارع تكريمًا كبيرًا لمصر.
وأشار إلى الزخم المتصاعد الذي تشهده العلاقات المصرية الإندونيسية، لا سيما عقب زيارة الرئيس الإندونيسي إلى مصر في أبريل 2025، والتي شهدت الإعلان عن الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بما أتاح آفاقًا أوسع لتعزيز التعاون في مختلف المجالات وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين.
وأوضح السيسي أن العلاقات بين مصر وإندونيسيا تستند إلى روابط تاريخية وحضارية راسخة، إذ كانت مصر من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال إندونيسيا، وأقامت معها علاقات دبلوماسية عام 1947.
وأضاف أن البلدين وقفا جنبًا إلى جنب دفاعًا عن مصالح دول الجنوب، خاصة منذ مشاركة مصر في مؤتمر باندونج التاريخي، الذي مثل النواة الأولى لحركة عدم الانحياز، مشيرًا إلى استمرار دور البلدين في دعم الأمن والاستقرار في محيطيهما الإقليميين، والتنسيق بشأن مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وأكد الرئيس السيسي أن مباحثاته مع نظيره الإندونيسي عكست الإرادة المشتركة لتحويل العلاقات التاريخية والشراكة الاستراتيجية إلى برامج ومشروعات تعاون ملموسة، تتولى الجهات المعنية في البلدين متابعة تنفيذها.
وفي هذا السياق، أشار إلى الاتفاق على إعطاء أولوية خاصة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بما يتناسب مع الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها البلدان، والعمل على رفع حجم التبادل التجاري إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2030، مع مواصلة الجهود لإزالة أي عقبات قد تحول دون تحقيق هذا الهدف.
كما تناولت المباحثات فرص التوسع في مشروعات التصنيع المشترك بالقطاعات ذات الأولوية، حيث أكد السيسي حرص مصر على تشجيع الشركات الإندونيسية على زيادة استثماراتها في السوق المصرية، انطلاقًا من مكانة مصر مركزًا إقليميًا للإنتاج والتصدير، وبوابة استراتيجية للأسواق العربية والإفريقية والدولية.
وتطرق الرئيس إلى التعاون الثقافي والتعليمي، باعتباره أحد أهم ركائز العلاقات التاريخية بين البلدين، مرحبًا باستمرار استقبال مصر آلاف الطلاب الإندونيسيين سنويًا للدراسة في الأزهر الشريف ومختلف الجامعات المصرية، ومؤكدًا الحرص على استمرار التواصل العلمي والثقافي باعتباره جسرًا لتعزيز الأخوة والصداقة والتفاهم بين الشعبين.
السيسي: إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 السبيل الوحيد للسلام
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، قال الرئيس السيسي إنه تبادل مع الرئيس الإندونيسي الرؤى بشأن التطورات الراهنة، واتفقا على خطورة استمرار الصراعات والنزاعات في مناطق عديدة من العالم، لما تمثله من تهديد مباشر للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
وأكد الجانبان أهمية تغليب الحوار والوسائل الدبلوماسية في تسوية الأزمات، وإعطاء الأولوية لتحقيق السلام ودفع جهود التنمية، مع احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وأوضح السيسي أن تطورات القضية الفلسطينية استحوذت على جانب رئيسي من المباحثات، في ظل المستجدات الخطيرة التي تنعكس تداعياتها على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط بأسرها.
وأشار إلى توافق الرؤى بشأن الأسس والمرجعيات اللازمة لتحقيق تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية، تفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لتحقيق سلام عادل ودائم وشامل في المنطقة.
وأعرب الرئيس السيسي عن تقديره لمشاركة الرئيس الإندونيسي في قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025، التي شهدت التوقيع على وثيقة وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
كما أشاد بالدور الذي تضطلع به إندونيسيا، بصفتها عضوًا في مجلس السلام، دعمًا لجهود تثبيت الاستقرار وحماية المدنيين وإعادة إعمار قطاع غزة وتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني.
وشدد السيسي على ضرورة ضمان النفاذ الكامل والآمن والمستدام للمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، مؤكدًا رفض مصر القاطع لأي محاولات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني أو تصفية قضيته أو فرض تغييرات ديموغرافية على الأراضي الفلسطينية.
كما أكد رفض مصر وإدانتها للممارسات والاعتداءات الممنهجة التي ترتكب يوميًا بحق الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة.
حقوق مصر المائية على طاولة المباحثات
وفيما يتعلق بالقضايا الإقليمية الأخرى، أوضح الرئيس السيسي أنه تبادل مع نظيره الإندونيسي وجهات النظر بشأن الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مؤكدًا أهمية دعم جهود خفض التصعيد والتوصل إلى تسويات سياسية للأزمات باعتبارها السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار المستدامين.
وشدد الرئيس على الأهمية الوجودية لنهر النيل بالنسبة لمصر، باعتباره شريان الحياة للشعب المصري، مؤكدًا تمسك مصر بحقوقها المائية ورفضها القاطع لأي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بأمنها المائي أو الانتقاص من حقوقها التاريخية والمكتسبة.
وذكر المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية أن الرئيس الإندونيسي أعرب، في معرض حديثه عن قضية نهر النيل، عن أسفه إذا كانت هناك انتهاكات للقوانين الدولية أو محاولات للانتقاص من الحقوق المائية للدول، مؤكدًا دعمه جهود مصر لحماية حقوقها المائية.
وفي ختام كلمته، أعرب الرئيس السيسي عن سعادته بلقاء الرئيس الإندونيسي، مجددًا الشكر على الدعوة وحفاوة الاستقبال، ومؤكدًا تطلعه إلى مواصلة العمل المشترك للارتقاء بالعلاقات المصرية الإندونيسية إلى آفاق أرحب، بما يحقق تطلعات الشعبين ويخدم مصالحهما المشتركة.
كما أعرب عن تطلعه إلى استقبال الرئيس برابوو سوبيانتو في مصر في أقرب فرصة، لمواصلة التشاور والتنسيق بشأن القضايا الثنائية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، متمنيًا لإندونيسيا وشعبها دوام التقدم والازدهار والاستقرار.
وعقب المؤتمر الصحفي، أقام الرئيس الإندونيسي مأدبة غداء على شرف الرئيس السيسي والوفد المرافق له، أكد خلالها الرئيس المصري أن البلدين كتبا صفحة جديدة في علاقاتهما، مشددًا على التزام مصر بالتعاون بقوة وفاعلية في المجالات ذات الاهتمام المشترك، وموجهًا الشكر إلى الرئيس الإندونيسي على حفاوة الاستقبال.

