مع انطلاق فعاليات دور الانعقاد التشريعي الجديد، يتصدر المشهد السياسي والشارع المصري ملف طال انتظاره وتكدست على هامشه الكثير من الآمال والتحديات، إنه ملف قانون الإدارة المحلية وانتخابات المحليات. فمنذ سنوات طويلة نعاني من غياب “الظهير الشعبي المنتخب” للإدارة، ما جعل التشريع المرتقب بمثابة الحجر الذي تحتاجه المياه الراكدة لتحريك عجلة التنمية الحقيقية وإعادة الانضباط للخدمات اليومية للمواطنين.
فالمحليات الغائب الأكبر والعبء ملقى على النواب. والرئيس عبد الفتاح السيسي وجه بسرعة إجراء انتخابات المحليات، فالعطل فين؟ ومن المسؤول عن تأجيله؟ أسئلة كثيرة لابد من الإجابة عليها.
تعاظم الحديث مجدداً عن ضرورة الإسراع بإصدار القانون بالتزامن مع بدء الدورة البرلمانية الجديدة، وسط مطالبات نيابية وحزبية واضحة بضرورة طي هذه الصفحة المعقدة. ويؤكد الخبراء والبرلمانيون أن غياب المجالس المحلية طيلة السنوات الماضية ألقى بأعباء ثقيلة وعبء مضاعف على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ؛ فالنائب الذي يفترض أن يتفرغ للتشريع ومراقبة السياسات العامة للدولة، بات محاصراً بطلبات الخدمات اليومية والصغرى الخاصة بالإنارة، ورصف الطرق، وإشغال الطرق، ومتابعة المرافق، وهي في الأصل أصيل اختصاص المجالس المحلية المنتخبة.
وتشير الأرقام التقديرية إلى أن المجالس المحلية كانت تضم نحو 54 ألف قيادة شعبية منتخبة تمارس الرقابة على الأداء التنفيذي في القرى والمدن والأحياء، وهو فارق هائل يعكس حجم الفراغ الرقابي والخدمي الحالي تركة ثقيلة وتحديات على طاولة البرلمان.
رغم الإجماع الفكري والسياسي على أهمية عودة المحليات استناداً إلى المادة 180 من الدستور التي وضعت إطاراً مفصلاً لتمثيل الشباب (25%)، والمرأة (25%)، والعمال والفلاحين (بنسبة لا تقل عن 50%) إلى جانب ذوي الإعاقة والمسيحيين، إلا أن طريق إصدار القانون لم يكن مفروشاً بالورد، فقد شهدت قاعات البرلمان واللجان النوعية نقاشات مطولة وماراثوناً من الجلسات بلغت نحو 80 جلسة نقاشية، تخللتها تحفظات متباينة من الهيئات البرلمانية للأحزاب حول بعض تفاصيل مشروعات القوانين المقدمة من الحكومة أو النواب.
إن إنجاز قانون الإدارة المحلية في دور الانعقاد الحالي لم يعد رفاهية تشريعية، بل هو ضرورة حتمية تفرضها استراتيجيات التنمية المستدامة ورؤية الدولة نحو الإدارة الحديثة، فالمشروعات المطروحة تتضمن تحولات جوهرية تفصل بين مركزية السلطة وتمنح الوحدات المحلية استقلالاً مالياً وإدارياً عبر موازنات مستقلة وصناديق للتنمية المحلية، فضلاً عن تفعيل أدوات الرقابة الشعبية القوية كالاستجوابات وطلبات الإحاطة ضد القيادات التنفيذية المقصرة.
والشارع المصري والأحزاب والقوى السياسية يترقبون بيقين أن يتحلى البرلمان والحكومة بإرادة سياسية حاسمة في هذا الدور التشريعي الجديد لإنهاء هذا المخاض الطويل، فخروج القانون إلى النور وإجراء انتخابات المحليات قريباً سيعني بوضوح إزاحة الستار عن مرحلة جديدة من الرقابة الشعبية الحقيقية، وتمكين الكفاءات المحلية من إدارة شؤونها، وتخفيف العاهات الخدمية عن كاهل المواطن والنائب البرلماني على حد سواء.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

