اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم الثلاثاء، مع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ومجلسي الوزراء والمحافظين بكامل هيئتهما، وعدد من كبار المسؤولين وقادة القوات المسلحة والشرطة المدنية، ومجموعة من العمد والمشايخ لعدد من القرى والنجوع بمحافظات مصر المختلفة، إلى جانب عدد من الخبراء والمتخصصين، وذلك بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة.
وجاء الاجتماع في إطار حرص الرئيس السيسي على عقد لقاءات موسعة بصورة دورية لتبادل الآراء ووجهات النظر، في ضوء ما أشار إليه السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية من مواجهة الدولة تحديات متعددة، والتأكيد على أهمية حسن استغلال موارد الدولة وترسيخ الثقة في مؤسساتها وتأمين الجبهة الداخلية، في ظل تنوع أساليب محاولات الإضرار بالدولة المصرية.
وفي هذا السياق، تحدث لـ”مصراوي” كل من اللواء محمد الجباري، الخبير العسكري والاستراتيجي، واللواء ناصر سالم، الخبير العسكري والاستراتيجي، والدكتور أحمد زارع، المتحدث الرسمي باسم جامعة الأزهر وأستاذ الصحافة والنشر بكلية الإعلام، لتفسير رسائل الاجتماع ودلالات حديث الرئيس عن الوعي ومواجهة الشائعات ومحاولات التأثير على المجتمع ومؤسسات الدولة.
الغباري: الاجتماع يستهدف رفع الوعي بطبيعة التحديات
قال اللواء محمد الغباري، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن اجتماع الرئيس السيسي مع هذا العدد المتنوع من القيادات والمسؤولين والشخصيات المجتمعية يحمل دلالات مهمة تتعلق برفع الوعي بالمخاطر والتحديات التي تواجه الدولة، مؤكدًا أن توصيل هذه الرسائل إلى مختلف فئات المجتمع أصبح أمرًا ضروريًا.
وأضاف “الغباري” في تصريحات لمصراوي، أن الرئيس حرص خلال الاجتماع على توضيح طبيعة التهديدات والتحديات الموجودة على الدولة المصرية، والتأكيد على أهمية الوعي والإدراك لدى المواطنين، موضحًا أن مشاركة القيادات التنفيذية والبرلمانيين والشيوخ والعُمد والمشايخ وشخصيات من مختلف الفئات تساعد في نقل هذه الرسائل إلى المواطنين.
وأوضح الخبير الاستراتيجي، أن التحديات التي تواجه الدولة لا تقتصر على التهديدات العسكرية أو التعامل مع القوى الكبرى، وإنما تشمل أيضًا ضغوطًا مختلفة يمكن أن تتعرض لها الدولة، مشيرًا إلى أن جانبًا من هذه الضغوط يرتبط بما يُثار من شائعات ومحاولات للتأثير على وعي المواطنين.
الشائعات ووسائل التواصل.. أدوات للتأثير
تابع “الغباري” أن الشائعات أصبحت إحدى الأدوات المستخدمة في التأثير على المجتمعات، خاصة مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، لافتًا إلى أن تداول الشائعات وإعادة تقديمها بصورة مختلفة قد يؤثر على إدراك المواطنين للأحداث.
وأشار إلى أن مواجهة هذه الأدوات تتطلب استمرار عمليات التوعية، بحيث يكون المواطن قادرًا على التمييز بين المعلومات الحقيقية والشائعات، مؤكدًا أن الوعي والإدراك يمثلان عنصرين أساسيين في الحفاظ على التماسك الداخلي للمجتمع.
وقال إن التعامل مع ما وصفه بحروب الجيل الرابع يتطلب إدراك طبيعتها، خاصة أنها لا تعتمد بالضرورة على المواجهة المباشرة، وإنما تستهدف التأثير في المجتمع من الداخل من خلال أدوات مختلفة.
وأضاف أن وصول الرسائل التوعوية إلى المواطنين، وخاصة الشباب، يجب ألا يكون مرتبطًا بحدث معين، وإنما عملية مستمرة تشارك فيها الأسرة والمدرسة ومؤسسات الدولة، لافتًا إلى أن الاجتماع الموسع يمثل، من وجهة نظره، خطوة مهمة لتحريك مختلف الأجهزة والمؤسسات للعمل بصورة مستمرة.
الغباري: أحداث 2011 نموذج لفهم خطورة الضغط على الدولة
وعن إشارة الرئيس السيسي إلى أحداث الفترة من 2011 حتى 2013 وربطها ببناء سد النهضة، قال اللواء محمد الغباري إن تلك الأحداث تمثل، من وجهة نظره، نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تتعرض الدولة لاضطراب داخلي وتضعف قدرتها على التعامل مع التحديات المحيطة بها.
وأوضح أن ما جرى خلال تلك الفترة يجب قراءته في إطار الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها الدولة، مشيرًا إلى أن الضغوط الحالية، بحسب رؤيته، تستهدف التأثير على الدولة من خلال أدوات مختلفة، من بينها التأثير على الحالة النفسية للمجتمع ونشر الشائعات.
وأكد أن الرسالة الأساسية التي يراها في حديث الرئيس هي ضرورة إدراك المواطنين لطبيعة التحديات المحيطة بالدولة، وعدم السماح للشائعات ومحاولات التأثير بأن تتحول إلى عامل يهدد التماسك الداخلي.
وأضاف اللواء محمد الغباري، أن استمرار التوعية وشرح الحقائق للمواطنين، إلى جانب قيام مؤسسات الدولة والأجهزة المعنية بأدوارها، يمثل ضرورة لمواجهة الأدوات الحديثة التي تستهدف المجتمعات من الداخل.
نصر سالم: الاجتماع يوصل الرسائل من القيادة إلى القاعدة الشعبية
من جانبه، قال اللواء نصر سالم، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن اجتماع الرئيس السيسي مع مختلف مستويات القيادة في الدولة، وصولًا إلى العُمد والمشايخ والقيادات المحلية، يعكس أهمية وصول رسائل التوعية إلى جميع فئات المجتمع.
وأضاف “سالم” لمصراوي، أن الرئيس حرص على جمع ممثلين عن مختلف مستويات الدولة والمجتمع، بهدف ضمان وصول ما يطرحه من رسائل وما يوجه به من تكليفات إلى جميع المستويات، بحيث تتحرك الدولة بصورة متكاملة من أعلى مستوى قيادي إلى القاعدة الشعبية.
وأوضح الخبير الاستراتيجي، أن الهدف الأساسي من الاجتماع هو تعزيز وعي المواطنين بما يجري داخل الدولة وإدراك التحديات التي تواجهها، بما يساعد، بحسب رؤيته، على عدم تكرار أخطاء الماضي، مشيرًا إلى أن فقدان الوعي قد يؤدي في النهاية إلى نتائج تمس قدرة المجتمع على حماية أهدافه.
“معركة وعي” تحتاج إلى تضافر الجميع
استكمل نصر سالم حديثه قائلًا، إن أعداء الدولة قد يحاولون في أوقات مختلفة التأثير على وعي المواطنين وتزييف الحقائق، مستشهدًا بما جرى خلال أحداث 25 يناير وما أعقبها من تطورات سياسية، معتبرًا أن ما وصفه بضياع مجهود الشعب خلال تلك الفترة أتاح الفرصة لوصول جماعة الإخوان إلى الحكم.
وأشار إلى أن وصول جماعة الإخوان إلى السلطة، بحسب رؤيته، أتاح ظروفًا ساهمت في اتخاذ إثيوبيا خطوات مرتبطة بسد النهضة، مؤكدًا أن الحفاظ على وعي المجتمع يمثل عنصرًا أساسيًا في حماية الدولة ومصالحها.
وتابع أن الرئيس السيسي يقود ما وصفها بـ”معركة وعي”، وهي معركة تحتاج إلى تضافر جميع مؤسسات الدولة وفئات المجتمع، مشددًا على أهمية توحد الجهود والأهداف وعدم التفرق في مواجهة التحديات.
وأكد الخبير العسكري والاستراتيجي أن تماسك المجتمع وتوحده حول أهدافه يمثلان عاملين مهمين في مواجهة محاولات التضليل والخداع، قائلًا إن “الاتحاد قوة”، وإن توحيد الجهود يساعد على الوصول إلى الأهداف، بينما يؤدي فقدان الهدف أو تشتيته إلى إهدار جهود الدولة.
الحفاظ على الوعي والتماسك الداخلي
أضاف “سالم” أن المطلوب من المصريين هو الحفاظ على مستوى الوعي وإدراك الأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها، والعمل على حماية تماسك المجتمع، حتى لا يتمكن أي طرف من تضليل المواطنين أو خداعهم، مستشهدًا بقول الله تعالى:”واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا”.
وشدد اللواء نصر سالم، على أن وصول رسائل التوعية إلى جميع المستويات، من القيادات إلى المواطنين في مختلف أنحاء الجمهورية، يساعد في بناء وعي مجتمعي قادر على التعامل مع التحديات وعدم الانسياق وراء محاولات التضليل.
متحدث جامعة الأزهر: الوعي ضرورة وليس ترفًا
بدوره، قال الدكتور أحمد زارع، المتحدث الرسمي باسم جامعة الأزهر وأستاذ الصحافة والنشر بكلية الإعلام، إن اجتماع الرئيس السيسي الموسع مع قيادات الدولة ومختلف الفئات المجتمعية يأتي في توقيت تشهد فيه المنطقة تغيرات وأزمات متسارعة، بما يجعل رفع مستوى الوعي لدى المواطنين وتعزيز التماسك الداخلي من القضايا المهمة في التعامل مع التحديات الراهنة.
وأضاف “زارع” لمصراوي، أن مصر تمر بمرحلة فارقة تتشابك فيها التحديات الإقليمية والدولية مع الضغوط الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن التجارب التاريخية أثبتت أن وحدة المجتمع وتماسكه يمثلان عنصرًا مهمًا في قدرة الدولة على تجاوز الأزمات والحفاظ على استقرارها.
وأوضح المتحدث الرسمي باسم جامعة الأزهر أن ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من أزمات واضطرابات يستدعي أعلى درجات اليقظة والوعي لدى مختلف أطياف المجتمع المصري، خاصة أن أدوات التأثير في عالم السياسة والإعلام والصراعات الدولية لم تعد تقتصر على القوة العسكرية.
وأشار الدكتور أحمد زارع، إلى أن أدوات الإعلام والفضاء الرقمي والحرب النفسية يمكن أن تُستخدم للتأثير في اتجاهات الرأي العام، سواء من خلال نشر أخبار مجهولة المصدر، أو تضخيم بعض المشكلات، أو استغلال أحداث حقيقية لإنتاج روايات مضللة، أو محاولة التأثير على الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وأكد “زارع” أن مواجهة هذه الأدوات لا تكون بالانفعال أو التعامل مع كل رأي مخالف باعتباره مؤامرة، وإنما من خلال الحقيقة والدليل والشفافية والوعي، مشددًا على أن “ليس كل نقد مؤامرة، وليس كل اختلاف خيانة، وليس كل خبر مخالف للحكومة كذبًا”.
“من حق المصري أن يختلف وينتقد”
قال أستاذ الصحافة والنشر بكلية الإعلام إن الاختلاف في الرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية أمر طبيعي في المجتمعات، ومن حق المواطن أن يطرح رؤيته وينتقد ما يراه بحاجة إلى إصلاح، موضحًا أن المهم هو الحفاظ على الفارق بين الاختلاف الذي يثري الحوار والانقسام الذي يهدم جسور الثقة بين أبناء الوطن.
وأضاف أن هناك ثوابت يجب أن تظل محل اتفاق، وفي مقدمتها وحدة الوطن وسلامة أراضيه وأمنه القومي واستقرار مؤسساته وحماية نسيجه الوطني، مؤكدًا أن مصر ليست ملكًا لفصيل أو تيار أو حزب، وإنما هي وطن لجميع المصريين.
وشدد الدكتور أحمد زارع، على أن الاختلافات الدينية أو السياسية أو الاجتماعية يجب ألا تتحول إلى صراع بين أبناء الوطن الواحد، لافتًا إلى أن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع هو تحول أفراده إلى خصوم دائمين، بحيث يصبح الاختلاف سببًا للعداء بدلًا من أن يكون وسيلة للتكامل.
زارع: نختلف دون أن نتفرق وننتقد دون أن نهدم
وتابع أن الاختلاف جزء من الحياة العامة، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين الاختلاف والانقسام، موضحًا: “نختلف، لكن لا نتعادى. ننتقد، لكننا لا نهدم. نطالب بالإصلاح، لكننا لا ننسف مؤسسات الدولة. نناقش السياسات، لكننا لا نحول الخلاف إلى كراهية بين المصريين”.
وأشار إلى أن الوطن يتسع للجميع، وأن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة عندما تحكمه المسؤولية الوطنية، مؤكدًا أهمية الحفاظ على مساحة الحوار والنقاش مع عدم السماح بتحول الخلافات إلى حالة من الاستقطاب أو التفكك المجتمعي.
الأمن القومي لا يتوقف عند حدود مصر
أوضح الدكتور أحمد زارع أن التحركات المصرية خلال الفترة الأخيرة تؤكد أهمية خفض التصعيد والحفاظ على سيادة الدول واستقرارها، مشيرًا إلى المواقف المصرية المرتبطة بأمن واستقرار المنطقة والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وقال “زارع” إن الأمن القومي المصري لا ينحصر داخل الحدود الجغرافية للدولة، وإنما يتأثر بما يجري في محيطها الإقليمي، وهو ما يجعل وعي المواطنين بالتحديات المحيطة بمصر ضرورة وليس ترفًا.
وأضاف أن التعامل مع أي أزمة يجب أن يبدأ من سؤال أساسي، وهو كيفية الحفاظ على الوطن والمساهمة في تجاوز الأزمة، داعيًا إلى الاحتكام إلى القانون والحوار عند الاختلاف، والتثبت من المعلومات قبل تداولها، خاصة في ظل سرعة انتشار الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
“مصر تحتاج إلى الوعي والحوار لا التخوين”
أكد المتحدث الرسمي باسم جامعة الأزهر أن مصر لا تحتاج إلى مزيد من الصراخ أو التخوين، وإنما إلى مزيد من الوعي والحوار والثقة القائمة على الحقائق والعمل، مشيرًا إلى أن الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها في القضايا المصيرية، والحفاظ على الوحدة الوطنية، ومواجهة الشائعات والتضليل، مسؤوليات وطنية تتطلب الوعي والرشد.
واختتم الدكتور أحمد زارع، تصريحاته بالتأكيد على أن المطلوب هو الاختلاف دون تفرق، والنقد دون هدم، والحوار دون خصومة، والتكاتف عندما تكون مصلحة الوطن هي القضية، موضحًا أن حماية الأوطان لا تعتمد على القوة وحدها، وإنما تشمل أيضًا وعي أبنائها ووحدتهم وقدرتهم على وضع المصلحة الوطنية فوق الخلافات.
إقرأ أيضًا:
الرئيس السيسي يرأس أكبر اجتماع من نوعه.. ماذا دار في اللقاء؟
الرئيس السيسي: لا أجندة خفية لمصر.. وحل الدولتين سبيل الاستقرار بالمنطقة

