استقال الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش من منصبه يوم الأحد سعيا لتولي رئاسة الوزراء في الانتخابات البرلمانية المبكرة المقررة في 25 أكتوبر، في خطوة تمثل اختبارا لحكمه المستمر منذ 14 عاما، وسط أزمة سياسية واحتجاجات شعبية متواصلة تهز دولة البلقان منذ نحو عامين.
وأوضح تلفزيون “آر تي إس” الحكومي الصربي والبيانات الرسمية في بلجراد، أن هذه الخطوة تأتي قبل موعد انتهاء ولاية فوتشيتش الرئاسية الثانية في مايو المقبل، لأن الدستور يمنعه من الترشح لولاية ثالثة، ليعلن مغادرته المنصب بهدف التفرغ لقيادة الحزب التقدمي الصربي اليميني الحاكم في مواجهة الحراك الطلابي والشبابي المتنامي.
دوافع استقالة الرئيس الصربي فوتشيتش وحسابات السلطة
أعلن فوتشيتش قراره رسميا بتلاوة نص المغادرة قائلا: “أنا أستقيل من منصب رئيس الجمهورية”، موجها كلمة لأنصاره المحتشدين خارج القصر الرئاسي في بلجراد قبيل التوقيع: “الليلة مناسبة مميزة للغاية بالنسبة لي، فهي أمسيتي الأخيرة في هذا المبنى الجميل.. لكنني أنظر إلى المستقبل بفرح، انتصارات جديدة تنتظرنا.. دعونا نهزم المنافسين بشكل أكثر إقناعا من أي وقت مضى”.
ويعد الانتقال إلى منصب رئيس الوزراء مناورة سياسية مدروسة للاحتفاظ بزمام السلطة التنفيذية التي يمنحها الدستور صلاحيات أوسع مقارنة بمؤسسة الرئاسة، بعد أن لعب فوتشيتش دورا مهيمنا طوال فترتيه الرئاسيتين اللتين امتدتا لـ10 سنوات تخللهما ترؤسه المباشر لجلسات الحكومة وإعلان القرارات والخطط الاستراتيجية، مكملا 12 عاما متصلة بين منصبي رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية.
ونشط فوتشيتش في الأسابيع الأخيرة بجولات ميدانية واسعة حظيت ببث مباشر من وسائل الإعلام الموالية، شملت افتتاح طرق، وتقديم معونات مالية، وتوفير أدوية مخفضة، وزيارة المواطنين في بيوتهم، وصولا إلى تصويره وهو يقود سيارة شقيقه لحضور بعض الفعاليات، وهو ما دفع المكتب المستقل للبحوث الاجتماعية بيرودي لتقديم شكوى تتهمه باستغلال مؤسسات الدولة لمصلحة حزبه دون صدور تعقيب من هيئات مكافحة الفساد الرسمية.
كواليس استقالة الرئيس الصربي فوتشيتش والترتيبات الدستورية
تتولى رئيسة البرلمان ورئيسة الوزراء السابقة آنا برنابيتش، الحليفة المقربة من فوتشيتش، مهام رئيس الجمهورية بالنيابة استنادا إلى الدستور، على أن تنظم الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المبكرة قبل نهاية العام الجاري وفق مهلة قانونية لا تتجاوز 90 يوما، لإعادة تشكيل هرم السلطة في صربيا التي يضم برلمانها 250 عضوا.
وقبل مغادرة موقعه، أصدر فوتشيتش قرارات عفو رئاسي شملت 49 شخصا، من بينهم 23 معارضا حوكموا بتهم ارتكاب أفعال مناهضة للدولة خلال المظاهرات وفر بعضهم خارج البلاد، في محاولة لتهدئة الغضب المتصاعد جراء حملات الاعتقال واستخدام عنف الشرطة.
واتهم الرئيس المستقيل معارضيه ووسائل الإعلام المستقلة بالسعي لتنفيذ مخطط أجنبي يهدف إلى “تدمير الدولة”، محذرا من وجود جهات تخطط لإثارة الشغب والفوضى ليلة الاقتراع.
تحديات استقالة الرئيس الصربي فوتشيتش والضغط الطلابي
يواجه الحزب الحاكم مأزقا انتخابيا غير مسبوق في مواجهة حركة طلابية وشبابية صلبة قادت الاحتجاجات منذ مأساة انهيار مظلة محطة القطارات في مدينة نوفي ساد الشمالية مطلع نوفمبر 2024 والتي أودت بحياة 16 شخصا، حيث تحول مطلب محاسبة المسؤولين عن الحادث إلى حراك وطني يطالب بإنهاء حكم فوتشيتش وإسقاط المنظومة القائمة بعد 14 عاما من الانفراد بإدارة البلاد.
وتخوض الحركة الاحتجاجية السباق بقائمة مرشحين تضم نخبة من الأكاديميين والأساتذة والرياضيين والمعلمين غير الحزبيين، بالتزامن مع تنظيم جولات بالدراجات الهوائية في مختلف المدن للمطالبة بسيادة القانون ومكافحة الفساد المالي وعلاقات الجريمة المنظمة وقمع الحريات الصحفية المنسوبة للحزب منذ وصوله إلى الحكم عام 2012، في حين ينفي الحزب تلك الاتهامات ويؤكد محاربته للفساد.
وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب حاد بين فوتشيتش والقوى الطلابية في اقتراع يوصف بأنه استفتاء شعبي على مستقبله، بمشاركة الحزب الاشتراكي المتحالف معه، وتحالف المعارضة المؤيد للاتحاد الأوروبي، في وقت تعثرت فيه مفاوضات انضمام صربيا للاتحاد الأوروبي نتيجة التراجع الديمقراطي ورفض بلجراد فرض عقوبات على روسيا بسبب حرب أوكرانيا.
وأكد فوتشيتش نزوله إلى الشارع اعتبارا من يوم الاثنين: “لقد ارتكبت أخطاء، لكنني عملت بجد وإخلاص قلما تجد مثله في هذا المنصب”.

