في مطلع القرن الماضي، أعلن رولان بارت “موت المؤلف”، وقال إن النص، حين يُكتب، يتحرر من قبضة صاحبه ليعيش حياته الخاصة بين يدي القارئ.
لكن أحداً لم يتنبأ يومها بأن العقل النقدي نفسه، الذي يفترض به أن يبقى حياً يقظاً يراقب موت النصوص ويشهد على انبعاثها، قد يموت هو أيضاً، ببطء، في صمت، داخل جدران المعهد الذي أُسس أصلاً ليكون “عقل” أكاديمية الفنون.
تخيّل معي مشهداً فانتازياً: ممرات المعهد العالي للنقد الفني تتحول، عند منتصف الليل، إلى متحف مهجور. تماثيل من شمع لأساتذة نقاد كبار تقف صامتة في زواياها، أفواهها مفتوحة على جملة لم تكتمل، وأيديها معلقة في الهواء وكأنها كانت تشير للحظة إلى مستقبل لم يأتِ. وفي القاعة الكبرى، حيث كانت تُناقش يوماً رسائل الماجستير والدكتوراه، يجلس كرسي فارغ واحد، عليه لافتة صغيرة كُتب عليها بخط اليد: “هنا مات الناقد، ولم يحضر أحد الجنازة”.
فالناقد، في نظرية بارت، يموت كي يُولد القارئ. لكن في حالتنا، لا يبدو أن أحداً وُلد بعد موت الناقد؛ فقط فراغ يتسع، وقاعات تخلو من الطلاب، وأرقام تتهاوى من سبعمائة متقدم إلى خمسة وعشرين، ثم إلى ما هو أقل.
إنه ليس موتاً رمزياً هذه المرة، بل احتضار مؤسسي بطيء، تتوالى فصوله فصلاً دراسياً بعد آخر، وسط صمت من كان يفترض أن يكون حارس العقل النقدي في مصر والعالم العربي.
فقد ألقى التحقيق الصحفي الذي أجراه “مصراوي”، منذ أيام، بحجر كبير في بركة مياه “المعهد العالي للنقد الفني” الراكدة، فتحولت موجات التأثير إلى ما يشبه الزلزال الذي هز أركان الجمود والتكلس بالمعهد.
أكتب هذه الرسالة بعد ردود أفعال واسعة من الباحثين والأساتذة الذين لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام ما يحدث، وإنما تحركوا وكتبوا وقالوا رأيهم في لحظة مفصلية يستوجب فيها المشهد الثقافي إعادة تقييم مؤسساتنا الأكاديمية العريقة، وعلى رأسها هذا الكيان الاستثنائي والمتفرد في المنطقة العربية المتخصص حصرياً في صياغة الفكر النقدي، وتأصيل القراءة التحليلية للمنتج الإبداعي في شتى مجالاته.
تأسس المعهد لأداء دور محدد وصارم؛ وفق ما قاله الدكتور أسامة أبوطالب، ليكون معهداً متعدداً ومتخصصاً للدراسات العليا يخدم بالأساس أبناء معاهد أكاديمية الفنون التخصصية الذين يمتلكون التأسيس الميداني والعملي الصلب في مجالاتهم.
وكان الهدف صقل هذا التخصص بـ”عقل نقدي” دون فتح الباب للتسطيح العلمي أو التوسعات غير الممنهجة.
غير أن المعهد شهد عبر عقود تجاوزات وإخلالاً بهذه الفلسفة الحاكمة، وتحولت الدرجات العلمية إلى منافذ وظيفية شابتها الترضيات، مما أنتج ازدواجية أكاديمية مع الدراسات العليا في كل معهد منفصل.
والأرقام وحدها كفيلة بأن تختصر حجم الأزمة؛ فبعد أن كان المعهد يستقبل نحو 700 إلى 800 متقدم سنوياً يُختار من بينهم نحو 80 طالباً فقط – كما يروي الدكتور أحمد بدوي، عميد المعهد الأسبق – تراجع عدد المتقدمين هذا العام إلى نحو 25 طالباً حتى كتابة هذه السطور، وهو رقم لا يعكس واقعاً عابراً بل انهياراً تراكمياً في جاذبية المعهد. والأدهى أن هذا الرقم الإجمالي، كما أوضح الدكتور أشرف توفيق، يخلط بين قسم “النقد الفني” المؤهل للماجستير والدكتوراه وقسم “التذوق الفني” وهو دبلومة منتهية، فيكون العدد الفعلي للملتحقين بمسار النقد أقل من ذلك بكثير، مع مسلسل تسرب دراسي يحوّل 32 متقدماً إلى 14 فقط بنهاية العام، وتوقعات ألا يتجاوز عدد المستمرين هذا العام سبعة طلاب.
هذا التراجع لا يمكن رده إلى سبب واحد. فقد أرجعه الباحث أحمد عدلي إلى الصراعات الطاحنة بين الأساتذة التي أنهكت العملية التعليمية، وإلى مناهج متكلسة لا صلة لها بسوق العمل، حيث يتوقف تدريس السينما عند أعمال الثمانينيات، والدراما عند “ليالي الحلمية”، والموسيقى عند تجربة بليغ حمدي، في فجوة زمنية صادمة بين المناهج والواقع الثقافي الراهن.
نحن إذن أمام انسداد في شريان تطوير المعهد، ومن ثم لا بد من إجراء جراحة عاجلة يمكن أن تمتد خلال التيرم الأول من العام الدراسي الحالي، ليتم استكمال إجراءاتها خلال التيرم الثاني على أن تطبق بدءاً من العام الدراسي المقبل، تفادياً لمزيد من تراجع المعهد وتفاقم الأوضاع به، فمستقبل المعهد يتوقف على اللائحة الحالية التي لم تُعدَّل منذ أكثر من عشرين عاماً وهي تُلزم الطالب بدراسة 12 مادة وإعداد 12 بحثاً إلى جانب بحث في تخصصه، مقارنة بست مواد فقط في كليات مناظرة كالإعلام بجامعة القاهرة، وغياب تام لنظام الساعات المعتمدة الذي كان يمكن أن يخفف العبء عن الباحثين العاملين والمتزوجات.
مقترحات للتطوير
1- إعادة درجة البكالوريوس للمعهد ليستعيد الزخم الذي فقده خلال الأعوام الماضية، ولكن في مرحلة مقبلة تتطلب الاستعداد الجيد في المناهج والتدريس.
2- غربلة المناهج والكوادر لتنقية هيئة التدريس وإعادة الاعتبار للمعيارية الأكاديمية.
3- فتح المعهد على نقد الوسائط الجديدة والفنون الرقمية والتسويق الثقافي.
4- تعديل اللائحة ومراجعة فلسفة القبول لمعالجة التفاوت في شروط التقدير بين الأقسام.
5- فتح مسار الماجستير والدكتوراه أمام خريجي قسم التذوق الفني على غرار الماجستير المهني في الكليات الأخرى، خلال الأعوام المقبلة، أما من حازوا هذه الشهادة في الأعوام الماضية فيمكن لهم القبول في دبلوم النقد الفني لمدة عامين آخرين حتى يتمكنوا من تسجيل درجتي الماجستير والدكتوراه.
6- منح مرونة أكبر في شروط التقدير بالاعتماد على اختبارات القبول والموهبة بدلاً من شرط التقدير الجامد.
7- إعادة النظر في نظام “الدبلوم المنتهي” وتوفير مسارات واضحة ومستمرة للدارسين للاستكمال الأكاديمي.
8- فتح مجال الدراسة عبر الإنترنت للدارسين المصريين أسوة بما هو متاح للباحثين العرب والأجانب.
9- يمكن عمل توأمة مع بعض الكليات الفنية والأدبية لاستقطاب الباحثين الذين لا يسمح لهم باستكمال درجتي الماجستير والدكتوراه بها، مثل “دبلوم دراسات الإبداع وتطبيقاته”، بكلية الآداب جامعة القاهرة، وهو ما يضمن تدفق عشرات الباحثين سنوياً.
10- إسناد إدارة المعهد إلى قامة أكاديمية مستقلة تمتلك رؤية استراتيجية للتطوير، وقادرة على حسم الصراعات الحالية، وتتمتع بالتوازن المطلوب لتحوز الثقة بين جيل الكبار والصاعدين من الأساتذة والباحثين.
11- إطلاق برنامج البكالوريوس الموازي (أو المهني) بنظام المرحلتين:
استحداث مسار تعليمي موازٍ أو مهني في النقد الفني يتكون من مرحلتين؛ تمنح الأولى مؤهلاً (فوق متوسط) في النقد، ولا يُسمح بالتأهل للمرحلة الثانية لاستكمال البكالوريوس إلا للحاصلين على تقدير (جيد جداً) كحد أدنى، ضماناً لجودة المَخْرَج الأكاديمي وكفاءة الخريجين. مع إلغاء شرط السن أو نوع المؤهل الدراسي للقبول في هذا المسار (مع الاعتماد على اختبارات القبول والموهبة)، وإتاحة الفرصة لاستكمال الدراسات العليا الموازية والمهنية، بما يحقق الإشباع الثقافي، ويثري تدريس الفكر النقدي لشرائح مجتمعية وأعمار مختلفة.
12- تعزيز الاستدامة المالية وتنمية موارد الأكاديمية، بما يُسهم التوسع في التعليم الموازي والبرامج المهنية في إيجاد روافد اقتصادية جديدة ومورد مالي مستدام للأكاديمية وللمعهد، مما يدعم الميزانية التشغيلية، ويوفر التمويل اللازم لتطوير البنية التحتية، وتحسين البيئة التعليمية والبحثية دون الاعتماد الكلي على الدعم الحكومي.
ولا يمكن معالجة أزمة المعهد دون التطرق إلى الأبعاد الإدارية والأكاديمية الأعمق، حيث تسيطر على أجوائه صراعات بين أعضاء هيئة التدريس أثرت سلباً على العملية التعليمية، وهو ما يتطلب حسماً قانونياً وإدارياً فورياً من رئاسة الأكاديمية بدلاً من ترك الأمور تتعقد، وأقترح تشكيل لجنة قانونية للتحقيق في كل الشكاوى المعلقة في مدة لا تتجاوز شهراً لحسمها، والتفرغ للهيكلة العلمية للمعهد.
أيضاً لا بد من احتواء المشكلات الطلابية بعقلية مرنة تضع سمعة المعهد فوق الخلافات الشخصية، ومنع تصعيد العقبات أمام الباحثين المتميزين.
إن تطوير المعهد العالي للنقد الفني ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة وطنية للحفاظ على هذا الصرح العريق الذي خرّج قامات فنية بارزة، ولإصلاح العقل الفكري الموجه للإبداع المصري والعربي.
تشكيل لجنة لتعديل اللائحة القديمة
والمطلوب مراجعة شاملة للوائح تنطلق من مبدأ أن مجال الإبداع يحتاج إلى مرونة في القبول والحكم على الطلاب، عبر تشكيل لجنة عليا لتحديث لائحة المعهد، والاستعانة بخبرات من جامعات مصرية وعربية ودولية كجامعة القاهرة وعين شمس والإسكندرية، وتفعيل برامج التبادل الأكاديمي مع المراكز النقدية الدولية.
وآمل حال نجاح هذه التجربة أن يتم تكرارها في عدد من المعاهد التي تحتاج بشدة لجهود الإصلاح، وهو ما يمكن أن يتم تناوله لاحقاً.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

