تتزايد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية ميدانيا واقتصاديا مع تصاعد حدة الضربات الصاروخية الروسية على العاصمة كييف، في مقابل هجمات أوكرانية موازية استهدفت مصفاتي نفط ومستودعات الشحن الكبرى التابعة لعملاق التجارة الإلكترونية الروسية “وايلدبيريز” داخل العمق الروسي.
وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مقتل طفل يبلغ من العمر 3 أعوام وجديه جراء هجوم بطائرات مسيرة روسية استهدف إحدى القرى في منطقة كييف، فضلا عن مقتل شخص آخر في هجوم بصواريخ باليستية طال العاصمة خلال الليل.
وأوضح تيمور تكاتشينكو، رئيس الإدارة الإقليمية لكييف، أن الضربات الروسية طالت 3 مواقع في منطقة بروفاري بالقرب من العاصمة، ما أدى لتضرر 10 منازل خاصة ومرافق تجارية وإنتاجية.
واشتعلت النيران في أحد المنازل بقرية بوخيفكا، على بعد نحو 30 كيلومترا من كييف، عقب هجوم المسيرات الذي أسفر عن مقتل الطفل وجديه، فيما أصيب والداه وشقيقه البالغ من العمر 15 عاما وأحد جيرانهم بجروح.
وفي العاصمة كييف، أفاد مسؤولون بنشوب حرائق في 3 مقاطعات وتضرر منشآت تجارية ومستودعات، فيما أكد شهود عيان لوكالة “رويترز” سماع دوي انفجارات قوية هزت وسط المدينة.
وقال زيلينسكي في بيان عبر قناته على منصة “تليجرام”، السبت: “أوروبا وأمريكا وأوكرانيا يريدون جميعا إنهاء هذه الحرب الروسية منذ فترة طويلة، لكن فلاديمير بوتين وحده هو من يرفض ذلك، متمسكا بيأس بصواريخه الباليستية ومسيراته لإطالة أمد القتال”.
وأضاف زيلينسكي: “يتطلب الأمر ممارسة المزيد من الضغوط على موسكو”.
ويواصل الرئيس الأوكراني الضغط للحصول على مساعدات عسكرية إضافية، في ظل ما تعانيه بلاده من نقص حاد ومستمر في صواريخ الدفاع الجوي الخاصة بمنظومات “باتريوت” الأمريكية.
وأشارت وزارة الدفاع الأوكرانية، إلى أن قواتها لم تتمكن في شهر يوليو من اعتراض سوى 29 صاروخا باليستيا فقط من أصل 195 صاروخا أطلقتها روسيا.
وأفاد سلاح الجو الأوكراني بأن القوات الروسية أطلقت خلال الليل 6 صواريخ باليستية و151 طائرة مسيرة باتجاه الأراضي الأوكرانية، حيث نجحت الدفاعات الجوية في إسقاط 135 طائرة مسيرة، لكنها عجزت تماما عن اعتراض الصواريخ الباليستية التي استهدفت البلاد.
من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية السبت أن قواتها أحكمت سيطرتها الكاملة على بلدة إيفانيفكا في منطقة خاركيف الأوكرانية.
هجمات الرد المتبادل في الحرب الروسية الأوكرانية
وفي المقابل، أعلنت هيئة أركان الجيش الأوكراني أن قواتها ضربت مصفاتي النفط الروسيتين “إيلسكي” و”سيزران” خلال هجمات ليلية، ما أسفر عن اندلاع حرائق في كلا الموقعين.
وأفادت السلطات الروسية بإصابة 5 أشخاص في إقليم كراسنودار جنوبي البلاد إثر هجوم أوكراني بطائرات مسيرة.
وضربت طائرات مسيرة أوكرانية نحو 20 موقعا لعملاق التجارة الإلكترونية الروسي “وايلدبيريز” خلال 3 أسابيع فقط، مسببة خسائر مادية فادحة لفتت انتباه البنك المركزي الروسي والكرملين عقب تضرر عشرات الآلاف من المشروعات الصغيرة.
ومنذ 18 يوليو، حين بدأت أوكرانيا استهداف مستودعات “وايلدبيريز” في مختلف أنحاء روسيا بطلعات شبه يومية للطائرات مسيرة، شهد قطاع التجزئة تراجعا حادا.
خسائر مستودعات “وايلدبيريز”
أحدثت هذه الضربات المتتالية اضطرابات واسعة؛ حيث أظهر تحليل أجرته “رويترز” لصور أقمار اصطناعية أن ما لا يقل عن 1.18 مليون متر مربع من مساحات المستودعات، أي ما يزيد على خمس السعة التخزينية الإجمالية لشركة وايلدبيريز، قد تعرض للدمار أو الضرر الكامل.
وبينما أعلنت الشركة وقوع هجوم جديد يوم الجمعة، أكدت أنها تبحث حاليا عن شركاء لافتتاح مراكز تخزين جديدة لتعويض العجز.
وأسفرت الهجمات على المستودعات الروسية عن مقتل 13 شخصا على الأقل.
وتؤكد أوكرانيا، أن هذه الضربات تأتي في إطار حملة تهدف لنقل أتون الحرب إلى الداخل الروسي وإجبار المواطنين الروس وموسكو على مواجهة التكلفة الباهظة لاستمرار الصراع.
وفي المقابل، قتلت هجمات روسية الأسبوع الماضي 17 شخصا على الأقل في ضربات استهدفت مستودعات تجارية في كييف ومحيطها، بدعوى أنها تستخدم لتخزين أجزاء من الطائرات المسيرة ومعدات ذات استخدام مزدوج عسكري ومدني.
أثر قطاع التجزئة والتضخم في الحرب الروسية الأوكرانية
وتتهم أوكرانيا “وايلدبيريز” بدعم المجهود الحربي الروسي؛ نظرا لتضمن نطاق بضائعها الواسع مناظير رؤية ليلية وحقائب ذخيرة وخوذات عسكرية إلى جانب الملابس ومستحضرات التجميل والأجهزة الإلكترونية، وهو ما تنفيه الشركة والكرملين تماما.
وتكتسب المنصة أهمية بالغة كونها تشكل مع منصات التجارة الإلكترونية الأخرى عصب حركة بضائع وخدمات تعادل 8.5% من حجم الاقتصاد الروسي.
وأوضحت محافظ البنك المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا في 24 يوليو الماضي، أن البنك يراقب عن كثب ما إذا كانت اضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن هذه الهجمات ستترجم إلى ارتفاع في معدلات التضخم.
وقالت الخبيرة الاقتصادية في مدرسة كييف للاقتصاد ومعهد بيترسون للاقتصاد الدولي في واشنطن إلينا ريباكوفا، إن هذه الهجمات قد تعقد جهود البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة من مستواها الحالي البالغ 14%.
وأوضحت ريباكوفا أن الاقتصاد الروسي يتجه لتسجيل نمو صفري هذا العام بعد انكماشه في الربع الأول، لكن التضخم لا يزال مرتفعا، وبالتالي فإن أي صدمة في جانب العرض قد تجبر البنك المركزي إما على إبطاء خفض الفائدة بشكل كبير أو إيقافه تماما.
إفلاس المشروعات الصغيرة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية
وتأثر أصحاب الامتيازات الصغيرة بشدة من توقف الإمدادات والشحنات؛ حيث يوضح فاسيلي كليموف، الذي يدير منفذا لتسليم طلبات “وايلدبيريز” في موسكو بموجب عقد امتياز من بين 98 ألف منفذ، أن مبيعاته انخفضت بنسبة 50% تقريبا خلال الشهر الماضي، واصفا الشهر الأخير بالخاسر بامتياز ومعلنا رغبته في بيع مشروعه بروبل واحد لعدم امتلاكه الاحتياطات المالية الكافية للاستمرار.
وقد أدرج أكثر من 3100 منفذ امتياز لشركة “وايلدبيريز” للبيع في مختلف أنحاء روسيا عبر موقع الإعلانات المبوبة “أفيتو” حتى يوم الأربعاء الماضي.
وفي أواخر يوليو، أعلن سبيربانك، أكبر بنك في روسيا، أنه قد يرفع حجم مخصصات خسائر القروض بعدما أدت هجمات المسيرات لتراجع الجودة الائتمانية لشركات التجزئة والموردين، مع تقديم نحو 300 شركة طلبات لإعادة هيكلة ديونها.
ونقلت “رويترز” عن مصدر مقرب من الكرملين قوله إن العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة ستتضرر بشدة وستشهد موجة من الإفلاسات في ظل غياب مئات المليارات من الروبلات لدعم الموردين.
وكشف الكرملين عن مناقشات حكومية لتقديم دعم لشركة “وايلدبيريز” والموردين يشمل قروضا بنكية وإعفاءات ضريبية ودعما ماليا مباشرا من الدولة.
وتأمل بعض الشركات في الحصول على تعويضات؛ حيث فقدت علامة الأزياء الشهيرة “فين فلير” منتجات تتجاوز بنحو 1.24 مليون دولار في يوليو، إثر حريق هائل بمستودع “وايلدبيريز” في مدينة إلكتروستال شرق موسكو جراء هجوم مسيرة.
وأكدت مارينا دروزينا، مديرة التجارة الإلكترونية في الشركة، السعي للتفاوض بشأن التعويضات.

