يا صديقي القارئ، توقف عن كل ما تفعله الآن، وانظر في عيني ابنك أو ابنتك جيدًا.. هل ترى ذلك البريق الذي يوشك أن ينطفئ؟ هل تخيلت يومًا أن تتحول ورقة صغيرة، تحمل بضعة أرقام صماء، إلى حبل مشنقة يلتف حول عنق زهرة في مقتبل العمر؟ إننا لا نتحدث هنا عن مجرد نتيجة، بل نتحدث عن مذبحة صامتة تجري في بيوتنا تحت مسمى المستقبل. فهل فكرت يا عزيزي، وأنت تتابع أخبار الثانوية العامة هذا العام في مصر، كيف تحولت بيوتنا من محاضن للحب إلى ثكنات عسكرية ترفع شعار المجموع أو الموت؟ إن ما نراه اليوم من حالات انتحار يدمي لها القلب، من الدقهلية إلى الغربية، ومن أسيوط إلى القاهرة، ليس مجرد أرقام في إحصائية، بل هو نزيف وعي وصرخة استغاثة أطلقها أبناؤنا قبل أن يرحلوا، فهل من مجيب؟
دعني أحكي لك يا صديقي، عن تلك الطالبة التي لم تتحمل صدمة الكيمياء في يوليو الماضي، فقررت أن تنهي رحلتها قبل أن تبدأ، وعن ذلك الشاب الذي حصل على 84% – وهي نسبة يتمناها الملايين – لكنه ألقى بنفسه من فوق سطح منزله خوفًا من نظرة اللوم في عيون والديه. يا الله! أي رعب هذا الذي زرعناه في قلوبهم؟ وأي صنم هذا الذي عبدناه يسمى كليات القمة، حتى ضحينا على أعتابه بأغلى ما نملك؟
وهنا، يا عزيزي، لا أجد كلمات أصدق ولا أعمق مما قاله فضيلة الشيخ خالد الجندي في حلقته الأخيرة من برنامج «لعلهم يفقهون»، التي عرضت الخميس الماضي على قناة dmc، وكانت بحق بلسمًا لجراح كثيرين. لقد استمعت إلى كلماته بعناية شديدة، وكانت مصدر الإلهام الحقيقي لكتابة هذا المقال. ومن باب «من لم يشكر الناس لم يشكر الله»، أتوجه إلى فضيلته بخالص الشكر والتقدير على تلك الحلقة التي جاءت في توقيتها تمامًا، كطوق نجاة وسط أمواج اليأس المتلاطمة. لقد وضع الشيخ يده على الجرح حين أكد أن «الإخفاق ليس نهاية العالم، وأن الرضا بما قسمه الله هو الغنى الحقيقي». شكرًا لك، يا فضيلة الشيخ، لأنك ذكرتنا بأن القدر يحمل في طياته ألطافًا إلهية خفية، وأن وراء كل محنة منحة لا يعلمها إلا الله.
يا صديقي، لو تأملنا قليلًا في سير الأنبياء، لوجدنا أن الضيق كان دائمًا بوابة الفرج العظيم. انظر إلى نبي الله يوسف عليه السلام؛ هل كان يتخيل وهو في ظلمات السجن، متهمًا ومظلومًا، أنه سيصبح يومًا عزيز مصر والمؤتمن على خزائنها؟ لقد كان السجن محنة في ظاهرها، لكنه كان إعدادًا ربانيًا لقيادة أمة. فمن قال لك يا بني إن تعثرك في امتحان هو نهاية الطريق؟ ربما هو سجن يوسف الذي يسبق عرش الملك.
وتأمل معي يا عزيزي قصة نبي الله موسى، الذي خرج خائفًا يترقب، وحيدًا مطاردًا، لا يملك من أمره شيئًا. فإذا بهذا الهروب يقوده إلى كلام الله وإلى قيادة بني إسرائيل نحو النجاة. وقصة نبي الله أيوب، الذي فقد ماله وولده وصحته، حتى ظن الناس أنه انتهى، فصبر ورضي، فآتاه الله أهله ومثلهم معهم. ولا تنس يا رفيقي نبي الله يونس في بطن الحوت؛ أي ضيق وأي ظلام دامس كان يحيط به؟ لكن «سبحانك إني كنت من الظالمين» كانت مفتاح النجاة من قلب المستحيل.
رسالتي إليكم يا أولياء الأمور.. اهدأوا قليلًا، فالحياة أوسع بكثير من مقعد في كلية الطب أو الهندسة. لا تجعلوا أبناءكم يشعرون أن حبكم لهم مشروط بالمجموع. احتضنوهم، أخبروهم أنهم أغلى من كل الدرجات، وأن الفشل في جولة لا يعني خسارة المعركة. يا عزيزي الأب، ويا صديقتي الأم، إن شهادة التخرج الحقيقية هي أن يخرج ابنك للحياة سويًا نفسيًا، واثقًا في ربه، وليس محطمًا يبحث عن مهرب في الموت.
ويا أبنائي الطلاب، يا شباب مصر الجميل في 2026، تذكروا دائمًا كلمات الشيخ خالد الجندي: «اليأس ليس من شيم المؤمنين». لا تجعلوا لحظة ضيق تحرمكم من سنوات الفرح القادمة. الحياة رحلة طويلة، وما يبدو اليوم جبلًا ستراه غدًا حفرة صغيرة تجاوزتها بقوة إيمانك.
يا صديقي القارئ، إننا أمام مسؤولية وطنية ودينية وإنسانية. لنغير ثقافتنا، ولنجعل من بيوتنا واحات للأمان لا ساحات للإعدام النفسي. رحم الله كل زهرة ذبلت قبل أوانها، وحفظ الله أبناءنا من كل سوء، وجعل أيامهم القادمة انشراحًا ونجاحًا يرضي قلوبهم.
انتهى المقال.. لكن الأمل لم ينتهِ بعد.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

