تفتح الهجمات المتكررة في الأيام الأخيرة على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وما أسفرت عنه من قتلى ومصابين، الباب أمام تساؤلات بشأن احتمالات اتساع المواجهة بين السعودية والحوثيين في اليمن، وانعكاساتها على أمن المنطقة، ومع إعلان الحوثيين تنفيذ عمليات استهدفت مطاري الملك خالد بالرياض والملك فهد بالدمام، وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن دراسة الانضمام إلى الضربات ضد الحوثيين، تتزايد المخاوف من انتقال التصعيد إلى نطاق إقليمي أوسع.
الهجمات على الرياض ترفع مستوى التصعيد
أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، الاثنين 12 أكتوبر، وفاة مقيم باكستاني وإصابة 11 آخرين في هجوم منفصل استهدف مطار الملك خالد الدولي عصر أمس الأحد، مشيرة إلى نقل المصابين إلى المستشفى، فيما يجري حصر الأضرار المادية الناجمة عن الهجوم.
وفي هجوم منفصل وقع عصر السبت 10 أكتوبر، أعلنت الهيئة، الأحد، مقتل 12 شخصًا وإصابة 309 آخرين، بينهم حالات حرجة، وضمت قائمة القتلى 4 سعوديين و8 مقيمين من جنسيات مختلفة، بينهم مواطن مصري وآخر أمريكي، كما أسفر هجوم آخر وقع الخميس عن مقتل 3 مواطنين سعوديين، وفق ما أعلنته الهيئة.
وفي سياق متصل، أعلن يحيى سريع، المتحدث العسكري باسم جماعة أنصار الله اليمنية “الحوثيين”، تنفيذ 4 عمليات استهدفت مطاري الملك خالد في الرياض والملك فهد في الدمام، وبالتزامن مع هذه التطورات، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يدرس انضمام الولايات المتحدة إلى القتال ضد الحوثيين.
هل تتجاوز المواجهة حدود الصراع السعودي الحوثي؟
يرى الدكتور أشرف سنجر، خبير السياسات الدولية، أن استهداف مطار الرياض والمنشآت النفطية يضع المنطقة أمام تطورات خطيرة، معتبرًا أن المواجهة لا تقتصر في جوهرها على الخلاف بين السعودية والحوثيين، وإنما ترتبط بالدور الإيراني ودعم طهران للجماعة. ووفق تقديره، فإن التصعيد يقترب من كونه صراعًا سعوديًا إيرانيًا تستخدم فيه جماعة الحوثيين إحدى أدوات المواجهة.
ويشير “سنجر” في تصريحات خاصة لـ”مصراوي”، إلى أن استهداف العاصمة السعودية ومصافي النفط، بما يهدد حركة الاقتصاد السعودي، يفتح الباب أمام احتمالات جديدة، خاصة بعدما بدأت المملكة في تشكيل تحالف مع باكستان وتركيا، دون أن يؤدي ذلك إلى ردع الحوثيين أو إيران. كما يرى أن الوجود الأمريكي في المنطقة لم ينجح في ردع الطرفين، في وقت يبدو فيه رد الفعل الأمريكي ضعيفًا مقارنة بحجم العلاقات السياسية والعسكرية التي بنتها السعودية مع واشنطن على مدار عقود.
واشنطن بين دعم السعودية وتجنب جبهة جديدة
في تفسيره للموقف الأمريكي وتعليقًا على تصريحات ترامب بشأن دراسة الانضمام إلى الضربات السعودية، يرى الدكتور مختار غباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية، أن الولايات المتحدة لن تنضم مبدئيًا إلى السعودية في حربها ضد الحوثيين، مشيرًا إلى أن الرياض طلبت من واشنطن التدخل العسكري بعدما استهدف الحوثيون ثلاث مدن سعودية بالصواريخ سابقًا، لكن الولايات المتحدة رفضت التدخل المباشر آنذاك.
وتساءل غباشي خلال حديثه لـ”مصراوي”: “منذ متى يمكن البناء على تصريحات ترامب؟”، مشيرًا إلى وجود اتفاق محتمل بين واشنطن والحوثيين يضمن العبور الآمن للبوارج والسفن الأمريكية، مقابل عدم الدخول في صراع عسكري بين الطرفين.
من جانبه، يرى نعمان أبو عيسى، المحلل السياسي في الشؤون الأمريكية وعضو الحزب الديمقراطي، أن واشنطن لا تريد فتح جبهة جديدة بالتزامن مع المواجهة مع إيران، وتحاول احتواء الوضع القائم، رغم استعدادها لدعم السعودية في ضرب الحوثيين. ويشير إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى تجنب الانخراط المباشر، مع ترك مساحة للمملكة لمواصلة المواجهة.
إيران وحلفاؤها واحتمالات توسيع الحرب
يحذر غباشي من أن المنطقة تقف على مشارف انفجار قد يتحول إلى حرب إقليمية شاملة، خصوصًا إذا اندلع صراع مباشر بين الولايات المتحدة وإيران، ويقول إن طهران تخوض مواجهة وجودية لمنع انهيار الدولة الإيرانية، بينما ترى واشنطن أن مكانتها واستراتيجيتها تراجعتا خلال الحرب مع إيران، وأن طهران هي الدولة الوحيدة التي دفعتها إلى هذا الوضع.
وبحسب غباشي، قد تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة اعتبارها أمام إيران من خلال حرب غير تقليدية تؤدي إلى توسع المواجهة، أو عبر توجيه ضربات قوية تدفع طهران إلى الرد بالمستوى نفسه، محذرًا من أن تداعيات هذا المسار قد تطال مصادر الطاقة والنفط والمياه وغيرها من الموارد الحيوية في المنطقة.
وفي السياق ذاته، يرى أبو عيسى في تصريحاته لـ”مصراوي”، أن إيران تريد استمرار الوضع الحالي مع توسيع نطاق المواجهة عبر حلفائها في اليمن والعراق ولبنان، بما ينقل الصراع من مواجهة أمريكية إيرانية إلى مواجهة إقليمية تشمل دولًا عربية وإيران وحلفاءها، مشيرًا إلى أن السعودية تجنبت حتى الآن الانخراط في هذا المسار، بينما تركزت الجهود الأمريكية وحلفائها على إبقاء الخلاف في نطاق مضيق هرمز.
مضيق هرمز وباب المندب.. تهديد يتجاوز المنطقة
ومع تصاعد التوترات، تتزايد المخاوف من انتقال التصعيد إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وفي هذا يرى “أبو عيسى” أن واشنطن لا تريد فتح جبهة جديدة في باب المندب، خاصة أنها تواجه صعوبات في التعامل مع أزمة هرمز، محذرًا من أن انتقال الضغوط إلى المضيق الآخر قد تكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي.
ويشير أبو عيسى إلى أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر يؤثر على حركة النفط والبضائع، وعلى دول المنطقة وأوروبا وعلاقاتها التجارية مع آسيا، ويمثل هذا المسار شريانًا مهمًا للتجارة العالمية بين الصين ودول شرق آسيا من جهة، ودول المنطقة وأوروبا من جهة أخرى، ما يجعل اتساع المواجهة البحرية مصدر قلق يتجاوز أطراف الصراع المباشرة.
ومن جانبه، يحذر “غباشي” من أن أي مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران قد تترتب عليها تداعيات خطيرة على مصادر الطاقة والنفط والمياه، ويويده في ذلك “سنجر”: “استمرار استهداف المواقع الحيوية يفرض إعادة النظر في السياسات الأمنية وآليات الردع في الخليج، في ظل المخاطر التي تهدد الاقتصاد السعودي واستقرار المنطقة”.
الأزمة اليمنية ومسؤولية دول الخليج
يرى “سنجر” أن التعامل مع الأزمة اليمنية لا ينبغي أن يقتصر على السعودية، وإنما يتطلب تحرك الدول الخليجية لاحتواء اليمن والتعامل معه بصورة مختلفة خلال المرحلة المقبلة، مشددًا على ضرورة تمكين الجيش اليمني من أداء دوره في مواجهة الحوثيين، خاصة في ظل الطبيعة الجغرافية الوعرة لليمن، وما تمتلكه الجماعات المسلحة من أسلحة وصواريخ متطورة مكنتها من استهداف مواقع مهمة بدقة.
ويدعو “سنجر” إلى إعادة ترتيب الأوراق الأمنية، سواء من خلال آليات جامعة الدول العربية أو اتفاقيات الدفاع المشترك، معتبرًا أن استهداف الرياض والمواقع الحيوية تجاوز خطوطًا حمراء، ويحذر من أن استمرار الوضع قد يقود إلى حرب استنزاف طويلة، أو إلى تصعيد أمريكي أوسع، بما يترك المنطقة أمام خلافات أكثر من نقاط الاتفاق بعد انتهاء المواجهة.
أما “غباشي”، فيرى أن السعودية انجرت إلى الصراع مع الحوثيين رغم إدراكها صعوبة تحقيق انتصار مضمون، مؤكدًا أن المواجهة لا تضمن وجود طرف منتصر، وأن اتساعها قد يؤدي إلى تداعيات يصعب احتواؤها، خصوصًا إذا تحولت إلى صدام مباشر بين الولايات المتحدة وإيران.
ضربات محدودة أم مواجهة إقليمية شاملة؟
على مستوى السيناريوهات المقبلة، يرجح أبو عيسى أن تواصل السعودية عملياتها بوتيرة منخفضة، مع تجنب التصعيد الواسع والحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها على الرد، متوقعًا أن تلجأ المملكة إلى ضربات متفرقة، على غرار النمط الذي اتبعته الولايات المتحدة في مواجهتها مع إيران، بدلًا من الانخراط في حرب مفتوحة.
في المقابل، يرى سنجر أن المواجهة السعودية بمفردها لا تبدو متكافئة مع الأدوات التي تستخدمها إيران، ما يستدعي مراجعة ترتيبات الأمن والردع في الخليج والبحث عن حلول للأزمة اليمنية، كما يحذر غباشي من أن أي صدام مباشر بين واشنطن وطهران قد يدفع المنطقة إلى حرب أوسع، تتجاوز آثارها حدود الأطراف المتحاربة.
وبين احتمال استمرار الضربات المحدودة وخطر اتساع المواجهة، تبقى المنطقة أمام مسارات متعددة، تتوقف اتجاهاتها على طبيعة الردود المقبلة وموقف الولايات المتحدة من التصعيد. ومع استمرار التوتر حول الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، يظل السؤال مطروحًا: هل تنجح الأطراف في احتواء المواجهة، أم تتحول الهجمات المتبادلة إلى حرب إقليمية شاملة؟

