الأحد, أكتوبر 11
الأحد, أكتوبر 11

أعادت واقعة وفاة مضيفة الطيران المصرية عزة رمزي، ابنة محافظة البحيرة، إثر الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد في الرياض، إلى الأذهان قصة شجاعة مضيفة الطيران شادية سلامة، ابنة محافظة السويس، التي فقدت حياتها متأثرة بإصابتها خلال حادث اختطاف الرحلة المصرية رقم 648، المتجهة من أثينا إلى القاهرة، في 23 نوفمبر 1985.

ففي تاريخ حوادث الطيران، تظل وقائع اختطاف الطائرات واستهداف المطارات من الأحداث التي تترك أثرًا عميقًا في الذاكرة، ليس فقط بسبب خطورتها، وإنما أيضًا لما تكشف عنه من قصص إنسانية وبطولات يقدمها أفراد أطقم الطائرات في مواجهة الخطر.

فوراء الابتسامة والثقافة وتعدد اللغات وفن الإتيكيت، تقف مسؤولية كبيرة تتطلب الشجاعة وحسن التصرف والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة، حين تتحول المضيفة الجوية إلى مسؤولة عن سلامة الركاب وإدارة المواقف الطارئة داخل مقصورة الطائرة.
بدأت أحداث القصة يوم السبت 23 نوفمبر 1985، داخل مطار أثينا باليونان، عقب وصول طائرة مصر للطيران، الرحلة رقم 648 القادمة من القاهرة.

وبعد نزول الركاب، بدأت شادية سلامة، رئيسة طاقم الضيافة، وزميلاتها المضيفات أشجان عطية وهناء الدربي وحنان الحبروك، الاستعداد لتجهيز الطائرة لرحلة العودة إلى القاهرة، التي كان يقودها الطيار هاني جلال، بمساعدة الطيار عماد بهي الدين، وبصحبة ضباط الأمن مدحت مصطفى ونبيل فاروق وحسن الششتاوي وأشرف إبراهيم، وفقًا للرواية الواردة عن الحادث.
كانت رحلة العودة إلى القاهرة تقل 97 راكبًا من جنسيات مختلفة، بينهم مصريون وفلسطينيون وفلبينيون ويونانيون وأمريكيون، إلى جانب ركاب من جنسيات عربية وأوروبية أخرى.
وبعد صعود الركاب واستقرارهم في مقاعدهم، بدأت شادية سلامة تنفيذ إجراءات السلامة المعتادة، من بينها توجيه الركاب إلى ربط أحزمة الأمان وشرح كيفية التصرف في حالات الطوارئ.
لكن الرحلة لم تسر كما كان مخططًا لها؛ فبعد إقلاع الطائرة واستقرارها على ارتفاع نحو 34 ألف قدم، وأثناء توجهها إلى القاهرة، تحرك أحد الركاب باتجاه مقدمة الطائرة. وأوقفته المضيفة أشجان عطية، قبل أن يتبين أن الأمر يتعلق بعملية اختطاف.

وبعد دقائق، ظهر الراكب حاملًا قنبلة، وانضم إليه آخرون، وهددوا طاقم الضيافة والركاب، مطالبين المضيفات بالجلوس وعدم التدخل، ثم توجيه الركاب إلى الجزء الخلفي من الطائرة.
طلب الخاطفون فصل الركاب وفقًا لجنسياتهم، في مشهد زاد من خطورة الموقف. وفي تلك الأثناء، تحرك ضابط الأمن مدحت مصطفى لمحاولة التصدي للخاطفين، وأطلق ثلاثة أعيرة نارية أصابت أحدهم، لكن رفاقه ردوا بإطلاق النار بصورة عشوائية داخل الطائرة.

وأسفر الاشتباك عن استشهاد ضابط الأمن، وإصابة المضيفتين هناء الدربي وأشجان عطية، إلى جانب تعريض حياة الركاب للخطر.
في تلك اللحظات الحرجة، تدخلت شادية سلامة، وأبلغت الخاطفين بأنها رئيسة طاقم الضيافة والمسؤولة عن التواصل معهم ونقل مطالبهم، في محاولة للسيطرة على الموقف والحد من تعرض الركاب لمزيد من الأذى.

وكانت الطائرة حينها فوق جزيرة ميلوس، داخل المجال الجوي اليوناني، قبل أن يفرض الخاطفون على قائدها تغيير مسار الرحلة والتوجه إلى ليبيا، مع التهديد بإجباره على الهبوط في بنغازي أو طرابلس.

وفي المقابل، حاول قائد الطائرة التعامل مع الموقف وفق إجراءات الطوارئ، وأرسل إشارات استغاثة لتحديد موقع الطائرة وطلب المساعدة، بينما أطلق الخاطفون أعيرة نارية داخل المقصورة، تسببت في أضرار بمكونات الطائرة، وفقًا للروايات المتداولة عن الحادث.
ومع تدهور الأوضاع، اتجهت الطائرة إلى مالطا، حيث واجه قائدها صعوبات في الحصول على إذن بالهبوط، قبل أن يتمكن من إنزالها في مطار لوقا قرابة الساعة 11:15 مساءً، بحسب الرواية الواردة عن الحادث.

عقب هبوط الطائرة، استخدم أحد الخاطفين جهاز الاتصال اللاسلكي للتواصل مع سلطات المطار، مطالبًا بتزويد الطائرة بالوقود، ومهددًا بقتل أحد الركاب كل ساعة حال عدم الاستجابة للمطالب.
وفي خضم تلك الأجواء، عادت شادية سلامة إلى محاولة تهدئة الموقف، مستفيدة من خبرتها وتدريبها على التعامل مع الأزمات. وطلبت من الخاطفين إظهار حسن النية والسماح بخروج عدد من الركاب، مع إعطاء الأولوية للسيدات والأطفال.

واستجاب الخاطفون، وسمحوا بخروج 11 سيدة، بينهن سبع فلسطينيات وأربع مصريات، وفقًا للرواية المتداولة عن الحادث. كما سُمح للمضيفتين هناء الدربي وأشجان عطية بمغادرة الطائرة، بعد إصابتهما خلال الاشتباك، ونُقلتا إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وبقيت شادية سلامة داخل الطائرة، برفقة المضيفة المتدربة حنان الحبروك، بينما استمرت الأزمة وازدادت المخاوف على حياة الركاب.

مع استمرار التوتر وانقطاع التواصل مع سلطات المطار، لجأ الخاطفون إلى كتابة رسالة تتضمن مطالبهم، واختاروا شادية سلامة لتسليمها إلى المسؤولين في المطار.
وافقت شادية على المهمة رغم خطورتها، وغادرت الطائرة حاملة الرسالة، بعدما هددها الخاطفون بقتل الركاب إذا لم تعد عقب تسليمها.

وبعد وصولها إلى مسؤولي المطار وتسليم الرسالة، واجهت المضيفة موقفًا جديدًا؛ إذ لم ترغب السلطات في السماح لها بالعودة إلى الطائرة، وأبلغتها بأنها لن تفاوض الخاطفين.
لكن شادية أصرت على العودة، حرصًا على حياة الركاب، لتواصل دورها داخل الطائرة إلى جانب زميلتها، رغم إدراكها حجم الخطر الذي يحيط بها.

وكان موقفها، وفقًا للروايات التي تناولت الحادث، أحد أبرز المشاهد التي جسدت تمسكها بمسؤوليتها تجاه الركاب، حتى في اللحظات التي بدت فيها فرص النجاة محدودة.
مع استمرار الأزمة، نُفذت عملية اقتحام للطائرة بمشاركة قوة مصرية، وأسفرت المواجهة عن مقتل عدد من الخاطفين وسقوط قتلى ومصابين من الركاب.

وكانت شادية سلامة بين المصابين خلال الأحداث الأخيرة، ونُقلت إلى المستشفى في حالة خطيرة، لكنها توفيت في اليوم التالي متأثرة بإصابتها.
وعاد جثمانها إلى مصر، ليوارى الثرى في مقابر أسرتها بمدينة السويس، تاركًا وراءه قصة ارتبطت بالشجاعة والتضحية في واحدة من أكثر حوادث الطيران مأساوية.
رحلت شادية سلامة عن عمر ناهز 33 عامًا، لكنها تركت سيرة ظلت حاضرة في ذاكرة أسرتها ومحبيها، وأصبحت قصتها جزءًا من الروايات التي تستعيد بطولات العاملين في قطاع الطيران المدني خلال الأزمات.

وخلدت محافظة السويس اسمها بإطلاقه على مدرسة ثانوية للبنات بحي فيصل، حيث تقيم أسرتها، لتبقى قصتها حاضرة أمام الأجيال الجديدة.
وتشير الروايات المتداولة عن حياتها إلى أن أسرتها حرصت على تعليمها، وأنها تعلمت اللغتين الإنجليزية والفرنسية، قبل أن تحقق حلمها بالعمل في الضيافة الجوية، وتنضم إلى مصر للطيران مطلع عام 1978.
وبينما أعادت وفاة المضيفة المصرية عزة رمزي إلى الأذهان قصة شادية سلامة، تظل حكاية الأخيرة تذكيرًا بأن عمل المضيفة الجوية لا يقتصر على تقديم الخدمة للركاب، بل يمتد إلى تحمل المسؤولية والتعامل مع المواقف الطارئة، في ظروف قد تتطلب شجاعة استثنائية وتضحية كبيرة.

شاركها.
اترك تعليقاً