الأربعاء, أغسطس 5

تحولت الخلافات بين الولايات المتحدة والبرازيل خلال الأسابيع الأخيرة إلى واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ العلاقات بين البلدين، بعدما امتزجت النزاعات التجارية بالصراع السياسي والدبلوماسي، آخرها إلغاء الولايات المتحدة تأشيرة السفير البرازيلي، لتفتح تلك الأزمات الباب أمام مواجهة دبلوماسية متصاعدة تهدد بإعادة رسم طبيعة العلاقة بين واشنطن وبرازيليا.

رسوم ترامب أشعلت الأزمة

وجاءت بداية التصعيد بعدما فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوماً جمركية غير مسبوقة على الواردات البرازيلية، بالتزامن مع مطالبته المحكمة العليا في البرازيل بوقف محاكمة الرئيس السابق جايير بولسونارو، حليفه السياسي، إلا أن الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا رفض تلك الضغوط، معتبراً أنها تمثل تدخلاً مرفوضاً في الشؤون الداخلية، واتجه إلى حشد دعم شركائه في مجموعة “بريكس”.

وتتداخل في هذه الأزمة أبعاد سياسية وقضائية، إذ يمثل بولسونارو محور الخلاف بين البلدين، ويخضع الرئيس البرازيلي السابق للمحاكمة بتهم تتعلق بالتخطيط لانقلاب عسكري بهدف البقاء في السلطة بعد خسارته الانتخابات الرئاسية عام 2022، كما يواجه اتهامات بالتورط في مخطط لاغتيال الرئيس الحالي لولا دا سيلفا، والمشاركة في الإعداد لهجوم استهدف مؤسسات الدولة في العاصمة برازيليا، وهي اتهامات ينفيها جميعها.

ومع اقتراب المحكمة العليا من إصدار حكمها، تدخل ترامب في السابع من يوليو، واعتبر المحاكمة “حملة اضطهاد”، مطالبًا بوقفها فورًا. وعندما لم تستجب المحكمة لهذه المطالب، صعدت الإدارة الأمريكية موقفها بإعلان أن البرازيل تمثل “تهديدًا غير عادي واستثنائيًا” للأمن القومي الأمريكي، قبل فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على السلع البرازيلية.

وجاء في الأمر التنفيذي الصادر عن البيت الأبيض أن “سياسات وممارسات وإجراءات الحكومة البرازيلية تتعارض مع القيم الأخلاقية والسياسية للمجتمعات الديمقراطية والحرة”، فيما رد الرئيس لولا دا سيلفا بوصف الإجراءات الأمريكية بأنها “ابتزاز غير مقبول”، معلنًا تقديم شكوى رسمية إلى منظمة التجارة العالمية، كما فضل عدم التواصل مع ترامب.

التصعيد يصل إلى السفراء

وامتد التصعيد في أحدث مراحله إلى الجانب الدبلوماسي، بعدما كشفت مصادر بوزارة الخارجية الأمريكية أمس الثلاثاء، عن إلغاء تأشيرة سفيرة البرازيل لدى واشنطن، ماريا لويزا ريبيرو فيوتي، في خطوة جاءت عقب رفض الحكومة البرازيلية منح تأشيرتين لمسؤولين أمريكيين كانا يعتزمان زيارة البلاد الشهر الماضي.

واتهم الرئيس لولا المسؤولين الأمريكيين بمحاولة “التدخل” في الانتخابات البرازيلية، بينما رفضت واشنطن هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها لا تستند إلى أي أساس. وأكد مسؤول أمريكي أن قرار إلغاء التأشيرة لا يعني طرد السفيرة البرازيلية، وإنما يمثل “إجراءً متبادلًا”، مشيرًا إلى أن واشنطن لا تزال تدرس خيارات دبلوماسية إضافية.

برازيليا ترفض مبررات واشنطن

في المقابل، اعتبرت الرئاسة البرازيلية أن المبررات التي قدمتها الولايات المتحدة لإلغاء تأشيرة السفيرة “كاذبة”، مؤكدة أن الأزمة تعكس استمرار الضغوط الأمريكية على برازيليا، وكان من المقرر أن يزور مسؤولان بارزان من وزارة الخارجية الأمريكية البرازيل في أواخر يوليو، في زيارة قالت واشنطن إنها تهدف إلى مناقشة ملفات حرية التعبير والدين ونزاهة الانتخابات، كما كان من المنتظر أن يلتقيا فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق.

وجاءت الزيارة المقترحة بعد تصريحات أدلى بها فلافيو بولسونارو أمام دبلوماسيين، قال فيها إن أجهزة التصويت الإلكترونية في البرازيل تستند إلى التكنولوجيا نفسها المستخدمة في فنزويلا، مستشهدًا بما وصفه بتقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية بشأن التزوير الانتخابي هناك.

ورغم أن فلافيو عاد لاحقًا ونفى التشكيك في نزاهة الانتخابات البرازيلية، مؤكدًا أنه طالب فقط بزيادة أعداد المراقبين الدوليين، فإن الحكومة البرازيلية اعتبرت أن زيارة الوفد الأمريكي قد تسهم في إثارة شكوك غير مبررة حول العملية الانتخابية، ورفضت منح التأشيرات للمسؤولين الأمريكيين.

البرازيل تتهم أمريكا بالسعى للتدخل في الانتخابات

وأكدت الرئاسة البرازيلية لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أن الزيارة كانت تمثل “محاولة غير مقبولة للتدخل في العملية السياسية الداخلية”، فيما سبق للمحكمة الانتخابية العليا أن رفضت مزاعم التشكيك في أجهزة التصويت الإلكترونية، التي يصفها خبراء بأنها من بين أكثر أنظمة التصويت أمانًا في العالم.

وفي تطور آخر يعكس عمق الأزمة، امتنعت الحكومة البرازيلية عن منح موافقتها على تعيين دانيال بيريز سفيرًا جديدًا للولايات المتحدة، بعدما رشحه ترامب في الأول من يونيو دون التشاور مسبقًا مع برازيليا، رغم أن الحصول على موافقة الدولة المضيفة يعد من الأعراف الدبلوماسية المتبعة.

ومع استمرار تبادل الضغوط التجارية والدبلوماسية والسياسية، تبدو العلاقات بين واشنطن وبرازيليا أمام واحدة من أصعب مراحلها، في أزمة لم تعد تقتصر على مستقبل بولسونارو، بل أصبحت اختبارًا لمستقبل العلاقات بين البلدين ولتوازنات القوى داخل مجموعة “بريكس” في مواجهة النفوذ الأمريكي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version