تصوير : محمد معروف
على امتداد شارع عبد العزيز بقلب القاهرة، تبدو الصورة للوهلة الأولى عادية؛ واجهات المحال ممتلئة بالثلاجات والغسالات والبوتاجازات والشاشات، وأجهزة منزلية مصطفة في انتظار مشترين جدد. لكن الوقوف قليلًا داخل السوق يكشف صورة مختلفة.
الأجهزة موجودة، لكن حركة البيع ليست بالقدر نفسه. التجار يتحدثون عن زبون أكثر حذرًا، يمر ويسأل عن السعر، يقارن بين أكثر من محل، ثم يؤجل القرار أو يكتفي بالأساسيات.
وفي الوقت نفسه، تتردد في السوق أحاديث عن زيادة جديدة في أسعار الأجهزة بنحو 5%، وربطها البعض بأي تحرك مرتقب في أسعار الوقود وتكاليف النقل والتشغيل.
تكشف جولة “مصراوي” داخل شارع عبد العزيز أن السؤال الأهم ليس فقط: هل سترتفع الأسعار؟ وإنما: هل يستطيع السوق أصلًا تحمل زيادة جديدة؟
مفيش زيادة.. السوق واقف
يقول عبد الله زهران، تاجر أجهزة كهربائية بشارع عبد العزيز، إن السوق لم يشهد، زيادة فعلية في أسعار الأجهزة، لكن المشكلة الأساسية من وجهة نظره تكمن في ضعف حركة البيع.
ويصف زهران لـ مصراوي، الأشهر الثلاثة الأخيرة بأنها فترة ركود واضحة، زادت حدتها مع موسم المدارس، بعدما أصبحت الأسر أمام أولويات أخرى مثل مصروفات التعليم والملابس والمستلزمات المنزلية.
وحسب تقديره، تراجعت حركة النشاط في السوق بنحو 60%، موضحًا أن الطلب حاليًا يتركز بصورة أكبر على الأجهزة الشعبية والمتوسطة، بينما تراجع الإقبال على المنتجات الأعلى سعرًا.
ولا يعني ذلك أن الأجهزة اختفت من السوق أو أن أسعارها كلها في اتجاه واحد، فحسب الأسعار التي عرضها زهران خلال الجولة، يتراوح سعر الثلاجة النوفروست حول 16 و17 ألف جنيه، بينما تبدأ الثلاجة العادية من نحو 10 آلاف جنيه.
أما الغسالات، فتتراوح الغسالة الهاف أوتوماتيك بين 6 و7 آلاف جنيه، والغسالة العلوية بين 8 و9 آلاف جنيه، بينما يصل سعر الغسالة الأوتوماتيك الأمامية إلى نحو 15 ألف جنيه.
ويضيف: في البوتاجازات، تبدأ الأسعار من نحو 4 آلاف جنيه وتصل إلى 30 ألف جنيه وأكثر وفقًا للنوع والموديل، بينما يدور سعر الميكروويف حول 6 آلاف جنيه. أما سخان المياه سعة 6 لترات فيبلغ نحو 3.5 ألف جنيه، مقابل نحو 6.5 ألف جنيه لسعة 10 لترات.
الغريب أن بعض الأجهزة أرخص من سنوات سابقة
وسط حديث السوق عن زيادات محتملة، يلفت زهران إلى مفارقة أخرى هي: بعض الأجهزة التي شهدت قفزات سعرية خلال موجات ارتفاع الدولار ونقص مستلزمات الإنتاج، تراجعت أسعارها لاحقًا.
ويستشهد بغسالة زانوسي، قائلًا إن سعرها كان يدور في وقت سابق حول 22.5 إلى 23.5 ألف جنيه، بينما أصبحت حاليًا في حدود 15 ألف جنيه، بفارق يصل إلى نحو 8 آلاف جنيه. ويربط التاجر الأسعار المرتفعة سابقًا بارتفاع الدولار ونقص الخامات لدى المصانع، قبل أن تهدأ الأسعار لاحقًا مع زيادة توافر المنتجات.
وهنا تتقاطع رواية زهران مع رواية أخرى داخل الشارع، لكن من زاوية مختلفة.
الزبون مش قادر.. القوة الشرائية في قلب الأزمة
بعد سنوات طويلة في السوق، يقول شعبان صالح، تاجر أجهزة كهربائية بشارع عبد العزيز، إنه يعمل في المجال منذ نحو 27 سنة، ويجزم باستقرار الأسعار تقريبًا منذ 8 إلى 10 أشهر، وإن السوق لم يعد يحتمل زيادات متتالية، كما يصف لـ مصراوي.
ويرى صالح أن المشكلة الأساسية ليست فقط في رقم السعر المكتوب على الجهاز، وإنما في قدرة المستهلك على دفعه. ويشير إلى أن حركة الشارع نفسها أصبحت تعكس ضعف السيولة؛ فالمستهلك، حسب وصفه، لا يشتري من فائض كبير في دخله، وإنما يحاول تدبير احتياجاته من المبلغ المتاح لديه.
ويدلل على ذلك بمشهد يتكرر أمامه مع الأسر التي تستعد لزواج أبنائها، يقول: “يختار على قد إمكانياته”، هكذا يصف صالح طريقة تعامله مع بعض المقبلين على تجهيز منزل جديد، موضحًا أن العميل قد يدخل بقائمة احتياجات، ثم يبدأ في حذف بعض البنود عندما يكتشف أن إجمالي الفاتورة يتجاوز قدرته.
وفي إحدى الحالات التي رواها صالح، كان العميل يحتاج إلى نحو 5 أو 6 آلاف جنيه إضافية لإتمام مشترياته، وانتهى الأمر بحذف 3 أو 4 أصناف من القائمة.
من الثلاجة إلى الخلاط.. ماذا يعني تجهيز بيت في 2026؟
حسب تقدير شعبان صالح، فإن الحد الأدنى لتجهيز البيت بالأجهزة الكهربائية الأساسية للعروس يدور بين 60 و70 ألف جنيه. لا يتحدث صالح عن تجهيز متوسط أو فاخر، وإنما عن مجموعة أساسية تضم منتجات شعبية: بوتاجازًا أساسيًا 4 أو 5 شعلة، وثلاجة عادية، وغسالة هاف أوتوماتيك أو غسالة علوية أساسية، ومروحة، وفرنًا، ومكنسة كهربائية، وخلاطًا، وشاشة تليفزيون.
مع ارتفاع قيمة الفاتورة، يلجأ بعض الأسر إلى وسائل مختلفة لتدبير التكلفة، من بينها الجمعيات والتقسيط والتمويل الاستهلاكي والاقتراض أو مساعدة الأقارب، كما يقرر صالح في حديثه مع مصراوي.
لكن محمد رضا، تاجر آخر في الشارع، يرى المشهد من زاوية مختلفة قليلًا.
المحلات مليانة.. بس مفيش سيولة
يقول محمد رضا، تاجر أجهزة كهربائية بشارع عبد العزيز، إن مجرد السير من أول الشارع إلى آخره يكشف حجم المشكلة بالنسبة له: البضائع موجودة، لكن السيولة وحركة المشترين أقل من المعتاد.
ويقول رضا لـ مصراوي إن أي زيادة جديدة في الأسعار ستكون عبئًا على حركة البيع، لأن المستهلك عندما يجد سلعة ارتفع سعرها من 10 آلاف إلى 11.5 ألف جنيه قد يفضل الانتظار بدلًا من الشراء فورًا.
وفي تقديره، تراجعت حركة السوق مقارنة بما قبل 2022 بنحو 70%، وهي نسبة يطرحها كتقدير شخصي لحركة البيع وليست مؤشرًا رسميًا للسوق.
لكن رضا لا يرى أن المستهلك اختفى. على العكس، يقول إن الزبون موجود، لكنه أصبح يبحث أكثر على الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، وينتظر الخصومات والعروض، ويقارن الأسعار قبل اتخاذ القرار.
الزواج يحافظ على جزء من الطلب.. لكن الكماليات تتراجع
وسط هذا الركود، يبقى تجهيز المقبلين على الزواج أحد مصادر الطلب التي يصعب تأجيلها بالكامل.
يقول خليفة، وهو مدير معرض أجهزة كهربية بشارع عبد العزيز، إن الأسرة التي تجهز بيتًا جديدًا لا تستطيع الاستغناء عن الثلاجة والبوتاجاز والشاشة وغيرها من الأجهزة الأساسية، لكنها في المقابل تعيد ترتيب القائمة.
ويضيف: ما كان يعتبر أساسيًا قبل سنوات قد يصبح قابلًا للتأجيل، وما كان يُشترى تلقائيًا أصبح يخضع للحساب. ويتابع: الخلاط، مثلًا، يمكن أن يدخل ضمن الأساسيات، بينما قد يتم تأجيل الهاند بلندر أو غيره من الأجهزة الأقل ضرورة إلى وقت لاحق.
التفاوض جزء من عملية الشراء نفسها، كما يقول خليفة، فالعروس وأسرتها يحددان الأولويات، والتاجر يحاول الوصول إلى سعر يسمح بإتمام الفاتورة، وأحيانًا يكون الحل في خصم جزء من هامش الربح بدلًا من خسارة عملية البيع بالكامل.
حتى لو زادت الأسعار هنحاول نمشي البيع
عبد الله زهران لا يتوقع أن تمر أي زيادة كبيرة بسهولة، ويرى أن السوق لن يستطيع تحملها، وقد تلجأ الشركات إلى زيادة سعرية محدودة ثم تقديم خصومات للحفاظ على حركة البيع.
وخليفة يرى أن التاجر نفسه قد يتحمل جزءًا من الزيادة من هامش ربحه حتى لا تتوقف المبيعات. أما شعبان صالح فيربط استقرار الأسعار خلال الفترة الماضية بحدود قدرة المستهلك على الشراء، مشيرًا إلى أن الزيادة التي لا يستطيع السوق استيعابها قد تتحول في النهاية إلى مزيد من الركود.
وبينما تختلف النسب والتقديرات من تاجر إلى آخر، تتكرر كلمة واحدة تقريبًا في أحاديثهم: السيولة.
زوايا مختلفة ومشكلة واحدة
عبد الله زهران ينظر إلى السوق من داخل حركة البيع اليومية: الطلب أضعف، والأجهزة الشعبية والمتوسطة هي الأكثر دورانًا.
وشعبان صالح يراه من خلال فاتورة الأسرة: دخل محدود أمام قائمة احتياجات طويلة، والأسرة تضطر إلى حذف بعض البنود أو البحث عن التقسيط والمساعدة.
وخليفة يقرأه من حركة الشارع: المحال ممتلئة بالبضائع، لكن المستهلك يراقب ويقارن وينتظر العرض المناسب قبل أن يخرج أمواله.
ولا تبدو روايات التجار متطابقة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: المشكلة لم تعد في وجود الأجهزة بقدر ما أصبحت في قدرة المستهلك على شرائها.
من جهاز البيت إلى حساب كل جنيه
قبل سنوات، كان تجهيز المنزل يعني في أذهان كثير من الأسر شراء قائمة شبه ثابتة من الأجهزة. أما في شارع عبد العزيز اليوم، فتبدو القائمة نفسها قابلة لإعادة الترتيب. الثلاجة والبوتاجاز والغسالة في المقدمة، ثم الشاشة والمكنسة والفرن والخلاط، بينما تتراجع الأجهزة الأقل ضرورة إلى نهاية القائمة.
السبب، وفق ما يقوله التجار، ليس تغير احتياجات الأسر بقدر ما هو تغير طريقة تمويلها لهذه الاحتياجات، فالمستهلك لا يدخل المحل ليسأل فقط: بكام؟ وإنما أصبح السؤال: معايا كام؟ وإيه اللي أقدر أشتريه بالمبلغ ده؟
اقرأ أيضا:


