قد تتميز حاسة الشم بقدرتها على استحضار الذكريات بصورة أسرع وأعمق من بقية الحواس، إذ ترتبط مباشرة بالمناطق المسؤولة عن المشاعر والذاكرة في الدماغ، كما أن الروائح قد تمتلك أيضا قدرة استثنائية على إعادة الإنسان إلى لحظات من الماضي بمجرد استنشاقها.
كيف تحفز الروائح الذكريات؟
وفقا لموقع “clevelandclinic”، قد تبدأ عملية الشم عندما ترتبط جزيئات الروائح الموجودة في الهواء بمستقبلات الشم الموجودة في الجزء الخلفي من الأنف، حيث يتخصص كل مستقبل في التعرف على نوع معين من الروائح، وعند التقاط الرائحة، تتولد إشارات كهربائية تنتقل عبر الخلايا العصبية إلى الدماغ.
وتصل هذه الإشارات أولا إلى البصلة الشمية الموجودة أعلى تجويف الأنف، والتي تقوم بمعالجة المعلومات قبل إرسالها إلى مناطق أخرى في الدماغ، أبرزها:
القشرة الكمثرية المسؤولة عن التعرف على الرائحة وتفسيرها.
اللوزة الدماغية، وهي المركز المسؤول عن معالجة المشاعر والانفعالات.
وعندما ترتبط الرائحة بتجربة عاطفية قوية، قد ترسل اللوزة الدماغية إشارات إلى الحصين، وهو الجزء المسؤول عن تكوين الذكريات، كما تمتد الإشارات إلى الفصوص الأمامية التي تشارك في التعلم والتفكير واتخاذ القرارات.
كما أن الدماغ يتعرض يوميا لكم هائل من المعلومات الحسية، لكنه لا يحتفظ بجميعها، بل يختار تخزين التجارب التي تحمل أهمية أو تأثيرا عاطفيا.
لماذا تبدو ذكريات الروائح أكثر قوة؟
الذكريات المرتبطة بالروائح قد تكون أكثر تأثيرا مقارنة بالصور أو الأصوات، إذ قد ترتبط بانفعالات أقوى وتساعد على استعادة الذكريات بدقة أكبر.
ويرجع ذلك إلى أن الدماغ يعالج إشارات الشم بصورة تختلف عن الحواس الأخرى، في حين تمر المعلومات الخاصة بالبصر والسمع واللمس عبر المهاد قبل وصولها إلى مناطق الدماغ المختلفة، قد تنتقل إشارات الشم مباشرة إلى البصلة الشمية، ثم إلى اللوزة الدماغية والحصين، ما يمنحها ارتباطا أسرع وأقوى بالمشاعر والذكريات.
ما علاقة التطور بحاسة الشم؟
يرى العلماء أن هذه الآلية تعود إلى التاريخ التطوري للإنسان والحيوانات، إذ تعد حاسة الشم من أقدم الحواس، وكانت ضرورية للبقاء، حيث ساعدت الكائنات الحية على التعرف على الطعام، ورصد الخطر ، واختيار شركاء التزاوج.
سر ارتباط الروائح بذكريات الطفولة
يلاحظ الكثير من الأشخاص أن الروائح قد تعيدهم إلى ذكريات الطفولة أكثر من أي مرحلة أخرى، ويُرجع ذلك إلى أن الدماغ خلال السنوات الأولى من العمر يكون في مرحلة تكوين عدد هائل من الوصلات العصبية.
ومع تقدم العمر، يتخلص الدماغ تدريجيا من الروابط غير الضرورية ويحتفظ بالأكثر أهمية، لذلك تظل الذكريات التي ارتبطت بروائح معينة في الطفولة لفترات طويلة، ويمكن استعادتها بسهولة عند التعرض للرائحة نفسها.
هل تحمل ذكريات الروائح فوائد صحية؟
لا تقتصر تأثيرات الروائح على استحضار الذكريات فحسب، بل قد توفر فوائد نفسية وجسدية، من بينها:
المساعدة على الشعور بالهدوء والاسترخاء.
تقليل مؤشرات الالتهاب في الجسم.
تحسين استرجاع الذاكرة لدى بعض المصابين بالاكتئاب.
تعزيز التنفس العميق والبطيء.
تحسين الحالة المزاجية.
متى تتحول الروائح إلى محفز للذكريات المؤلمة؟
في بعض الحالات، قد ترتبط رائحة معينة بتجربة سلبية أو صادمة، وهو ما يحدث لدى بعض المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، إذ يمكن لرائحة محددة أن تعيد إليهم مشاعر الخوف أو القلق.
وينصح عند حدوث ذلك القيام بتمارين تساعد على استعادة التركيز والهدوء، والتركيز في اللحظة الحالية، إذ تسهم هذه الأساليب في تخفيف التوتر والقلق، إضافة إلى، استشارة الطبيب إذا كانت الأعراض شديدة أو متكررة، خاصة لدى المصابين باضطراب ما بعد الصدمة.
اقرأ أيضا:


