ربما تحمل أعماق البحر الأحمر مفتاحا لفهم واحدة من أكثر مراحل تاريخ الأرض غموضا، وهي الفترة التي سبقت انتشار الأكسجين في الغلاف الجوي وظهور الكائنات التي تعتمد على ضوء الشمس لإنتاج الطاقة.
فقد توصل باحثون إلى أدلة تشير إلى أن بعض الكائنات الدقيقة القديمة ربما تمكنت من الحصول على الطاقة من تفاعلات كيميائية مرتبطة بمعادن مثل المنجنيز والحديد، داخل بيئات بحرية قاسية تشبه الظروف التي سادت على الأرض في عصورها المبكرة، بحسب agupubs.onlinelibrary.wiley.
برك شديدة القسوة تخفي حياة ميكروبية
ركزت الدراسة على ما يعرف ببرك المحلول الملحي العميقة في قاع البحر الأحمر، وهي مناطق تتجمع فيها مياه شديدة الملوحة، وتتميز بتركيزات منخفضة للغاية من الأكسجين ووجود مركبات كيميائية لا تتحملها معظم الكائنات الحية.
ورغم هذه الظروف، اكتشف العلماء أعدادا كبيرة من البكتيريا والعتائق داخل إحدى البرك النشطة، الموجودة على عمق يقارب 1770 مترا تحت سطح البحر.
وتشير هذه النتائج إلى أن البيئات التي تبدو غير صالحة للحياة يمكن أن تحتضن مجتمعات ميكروبية متخصصة طورت آليات للتكيف مع أقسى الظروف.
المعادن قد تكون مصدرا للطاقة
لفتت الرواسب الموجودة أسفل المجتمعات الميكروبية انتباه الباحثين، بعدما احتوت على تركيزات مرتفعة من المنجنيز والحديد والموليبدينوم والنحاس.
وقارن العلماء هذه الرواسب بمناطق أخرى في قاع البحر خارج البرك الملحية، ليتبين أن بعض المعادن الموجودة أسفل الطبقة الميكروبية كانت أكثر تركيزًا بأكثر من 100 مرة مقارنة بمواقع المقارنة.
ولمعرفة طبيعة الكائنات التي تعيش في هذه البيئة، استعان الفريق بتحليلات جينية متقدمة شملت الميتاجينوم والميترانسكريبتوم، ما سمح بدراسة المادة الوراثية للكائنات الدقيقة وتحديد الجينات النشطة لديها.
وأظهرت النتائج وجود كائنات دقيقة قادرة على أكسدة المنجنيز، من بينها أنواع تنتمي إلى مجموعة Nitrospira، ما يعزز احتمال وجود علاقة بين نشاط هذه الكائنات والتغيرات الكيميائية التي تحدث للمعادن داخل البركة.
كيف استفادت الكائنات القديمة من المنجنيز؟
يعتقد الباحثون أن عمليات أكسدة المنجنيز وتحويله إلى أكاسيد ربما أتاحت مصدرا للطاقة لبعض الكائنات الدقيقة، وهو ما يفتح احتمالا مهما لفهم كيفية بقاء الحياة في زمن لم يكن الأكسجين متوفرا فيه بكميات كبيرة.
وتعود هذه الفرضية إلى الفترة التي سبقت ما يعرف بـ”حدث الأكسدة العظيم”، الذي شهد قبل نحو 2.4 إلى 2.2 مليار سنة ارتفاعا كبيرا في مستويات الأكسجين داخل الغلاف الجوي.
وبالتالي، قد تساعد هذه البيئات الحديثة العلماء على تصور أنواع التفاعلات الكيميائية التي كان من الممكن أن تعتمد عليها الكائنات الحية الأولى قبل انتشار التمثيل الضوئي المنتج للأكسجين.
بركة اختفت.. لكن آثارها بقيت
لم تقتصر الأدلة على البركة النشطة، إذ رصد الباحثون أيضا منطقة أخرى يعتقد أنها بقايا بركة محلول ملحي قديمة اختفت منذ فترة طويلة.
وتقع هذه المنطقة على عمق يقارب 1400 متر، وتحيط بها حلقة من الرواسب المعدنية حول منخفض يحتوي على بقايا كائنات بحرية، في مشهد يشير إلى وجود بركة ملحية في الماضي.
كما كشفت التحليلات عن وجود مؤشرات كيميائية شبيهة بتلك الموجودة في البركة النشطة، من بينها المنجنيز المؤكسد ومواد عضوية تحتوي على مستويات مرتفعة من الموليبدينوم.
ويرى العلماء أن احتفاظ الرواسب بهذه العلامات الكيميائية بعد اختفاء البيئة والكائنات التي عاشت فيها يمنحهم فرصة لدراسة آثار مجتمعات ميكروبية لم تعد موجودة.
نموذج لفهم الحياة على الأرض البدائية
وتطرح الدراسة احتمالا بأن بعض الرواسب المعدنية التي تشكلت في المحيطات القديمة ربما نتجت عن نشاط ميكروبي وتفاعلات كيميائية لم تكن تعتمد على وجود الأكسجين أو عملية التمثيل الضوئي.
كما تشير النتائج إلى إمكانية اعتماد الكائنات الحية المبكرة على الطاقة الناتجة عن تفاعلات المنجنيز والحديد للبقاء والتكاثر في بيئة مختلفة جذريًا عن الأرض الحالية.
ومع استمرار الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتأكيد هذه الفرضيات، يرى الباحثون أن برك المحلول الملحي في البحر الأحمر تمثل نموذجا طبيعيا مهما لدراسة الحياة في الظروف القاسية، وقد تساعد في الإجابة عن سؤال أساسي في تاريخ الكوكب: كيف تمكنت الحياة من الحصول على الطاقة والاستمرار قبل أن يصبح الأكسجين عنصرا متوافرا في الغلاف الجوي؟.
اقرأ أيضا:
أغرب وسيلة مواصلات يستخدمها البشر حول العالم.. صور
لماذا يوجد فراغ أسفل معظم الأبواب الداخلية في المنازل؟
في اليوم العالمي للحيوان.. 10 كائنات غريبة لم تسمع عنها من قبل


