الجمعة, يوليو 31

تحتفظ الصحراء الغربية بمحافظة الوادي الجديد بواحد من أكثر الطرق الأثرية غموضًا في مصر، وهو درب أبو بلاص، الذي يمتد لنحو 400 كيلومتر بين عين أصيل بالواحات الداخلة وهضبة الجلف الكبير.
ويحكي الطريق، عبر محطاته المتناثرة، قصة طويلة لحركة القوافل القديمة منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الإسلامي، بما يضمه من أوانٍ فخارية، ونقوش صخرية، ومخازن للمؤن، وعلامات إرشادية أرشدت المسافرين عبر قلب الصحراء.

وقال محمود عبد ربه، المتخصص في التراث الواحاتي، في تصريحات خاصة لـ«مصراوي»، إن تسمية درب أبو بلاص تعود إلى إحدى أهم محطات الطريق، حيث عُثر على أكوام كبيرة من الأواني الفخارية المعروفة محليًا باسم “البلاص”، قبل أن ينتقل الاسم من المحطة إلى الطريق بأكمله.

تبدأ الرحلة من عين أصيل، ثم تمتد جنوب غربي الصحراء الغربية حتى تصل إلى صخرة مري، الواقعة على بعد نحو 89 كيلومترًا، والتي تضم صخورًا طبيعية تحمل نقوشًا قديمة، من بينها اسم شخص يُدعى “مري”، إلى جانب بقايا فخارية تعود إلى الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول وفترات تاريخية لاحقة.
وبحسب الدكتور يوسف صبري، المتخصص في الدراسات الأثرية المصرية، فإن أعمال المسح الأثري رصدت في نطاق صخرة مري عشرة مواقع أثرية، تضم شواهد تؤكد استمرار استخدام درب أبو بلاص عبر عصور متعددة، من بينها الدولة الحديثة والعصران الروماني والإسلامي.

بعد نحو 129 كيلومترًا من عين أصيل، تظهر محطة يعقوب، إحدى أبرز محطات الطريق التي ارتبطت بخدمة القوافل القديمة.
وقال الدكتور يوسف صبري إن الموقع يضم مخزنًا رئيسيًا للمؤن، وملاجئ صخرية صغيرة، ومواضع لإشعال النار، إلى جانب استراحات كانت تستخدم لإقامة القوافل ليلة أو أكثر.

كما تضم المحطة علامات منحوتة على الصخور في صورة حزوز، يُرجح أنها استخدمت لحساب عدد الأيام التي قضتها القوافل في الموقع أو لشحذ الأدوات الحجرية، بالإضافة إلى دوائر حجرية ربما خُصصت لإطعام الدواب أثناء الرحلات.

وقال بهجت أبو صديرة، مدير آثار الوادي الجديد السابق، إن محطة أم العلامات تضم واحدة من أبرز العلامات الإرشادية على درب أبو بلاص، ويبلغ ارتفاعها قرابة مترين، ويُعتقد أنها كانت تستخدم لإرشاد المسافرين أو مراقبة الطريق.
وأضاف أن العثور على أوانٍ كبيرة للعجين والتخزين، تزيد سعة بعضها على 50 كيلوجرامًا، يؤكد وجود نشاط منظم ومستمر لدعم القوافل القديمة، ويبرز أهمية محطات الدرب كنقاط للإمداد والاستراحة.

تمثل محطة خوفو إحدى أهم محطات درب أبو بلاص، إذ تمنح الطريق بُعدًا ملكيًا واضحًا، حيث تشير النقوش إلى بعثات خرجت إلى الواحات خلال عهد الأسرة الرابعة لجلب مواد طبيعية، يُعتقد أنها أكاسيد ملونة استخدمت في الكتابة والرسم.
وتحمل صخور الموقع خرطوش الملك خوفو إلى جوار معبود الصحراء “إجاي”، كما يظهر خرطوش الملك جدف رع، إضافة إلى العثور على أدوات صوانية، وخرز مصنوع من قشر بيض النعام، وطبعات أختام طينية، وأماكن إقامة صغيرة، بما يعكس تنوع الأنشطة البشرية على الطريق.

في عام 1918، ظهرت أولى الاكتشافات الكبرى للأواني الفخارية في محطة أبو بلاص، قبل أن يواصل الباحث جون بول أعمال الكشف في مارس عام 1923.
وقال الدكتور يوسف صبري إن دراسة المكتشفات كشفت عن أكثر من مائة آنية فخارية تعود إلى نهاية الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول، وكان عدد كبير منها في حالة جيدة عند اكتشافها شمال وشرق التل الصخري المعروف باسم “تل الفخار”.

وتضم المنطقة كذلك نقوشًا لحيوانات ومناظر من حياة الإنسان القديم، من بينها مشهد لشخص يطارد غزالًا بمساعدة كلبين، وآخر يصور بقرة ترضع صغيرها، إلى جانب بقايا تنتمي إلى حضارة الشيخ مفتاح.

في عام 1999، سلك الرحالة الألماني كارلو برجمان درب أبو بلاص باستخدام الإبل، وتمكن من رصد نحو 30 محطة وموقعًا لتجمعات الفخار على امتداد الطريق.
واستكمل أعضاء مشروع “أكاسيا” هذه الجهود، وأدرجوا جميع المحطات المكتشفة ضمن خريطة شاملة للمسح الأثري، فيما احتفظت بعض المواقع بأسمائها مثل صخرة مري، ويعقوب، وخوفو، وأبو بلاص، والناهود، بينما حملت مواقع أخرى أرقامًا فقط.

تعد محطة الناهود آخر المحطات الرئيسية والأقرب إلى هضبة الجلف الكبير، إذ تبعد نحو 359 كيلومترًا عن عين أصيل، بينما تصل المسافة الكاملة حتى الجلف الكبير إلى نحو 400 كيلومتر.
وتضم المحطة تجمعات من الأكواب والأطباق والسلطانيات والجرار الكبيرة، وترجع بقاياها الفخارية إلى الدولة القديمة وعصري الانتقال الأول والثاني، بما يؤكد استمرار استخدام الطريق عبر فترات تاريخية متعاقبة.

وقال الدكتور عبد المنعم حنفي، أستاذ الجغرافيا المتفرغ بجامعة بورسعيد، في تصريحات خاصة لـ«مصراوي»، إن العلامات الحجرية انتشرت على امتداد درب أبو بلاص، سواء فوق المرتفعات أو في المناطق المنبسطة، لتوجيه المسافرين وحمايتهم من الضياع في الصحراء الغربية.
وأوضح أن هذه العلامات كانت تُقام في صورة كتل حجرية كبيرة موضوعة رأسيًا أو أكوام من الأحجار الصغيرة، بما يعكس وجود نظام دقيق لتنظيم حركة القوافل وتيسير رحلات الذهاب والعودة.

وأضاف أن درب أبو بلاص لم يكن مجرد طريق تجاري، بل مثل ممرًا حضاريًا وثقافيًا حفظ آثار الإنسان ونشاطه اليومي، بداية من الصيد وتخزين المؤن، وصولًا إلى الرحلات الملكية والتبادل التجاري بين الواحات والمناطق البعيدة.

اقرأ أيضًا:

حتى 7 أغسطس.. فرصة جديدة لطلاب الوادي الجديد للالتحاق بمدرسة WE

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version