الأحد, أغسطس 2

في كل مرة ترتفع فيها أسعار الفائدة أو تتغير حركة الأسواق العالمية، تتجه الأنظار إلى تدفقات ما يعرف بـ”الأموال الساخنة” التي تدخل أسواق أدوات الدين بحثًا عن أعلى عائد ثم تغادر سريعًا مع تغير الظروف.

لكن خبراء الاقتصاد الذين تحدثوا لـ”مصراوي” يرون أن هذه التدفقات، رغم أهميتها في دعم السيولة، تختلف جذريًا عن الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي يعد أكثر استدامة وتأثيرًا في الاقتصاد الحقيقي.

ويذكرون أن الأموال الساخنة تتحرك وفق حسابات الربح السريع، بينما يبحث المستثمر الأجنبي المباشر عن بيئة مستقرة تسمح له ببناء مصنع أو مركز تكنولوجي أو مشروع إنتاجي يستمر لعقود ويوفر وظائف وينقل التكنولوجيا ويعزز الصادرات.

سوق كبير قبل أي شيء

يقول الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، إن مصر تمتلك واحدًا من أكبر الأسواق الاستهلاكية في الشرق الأوسط وأفريقيا، بجانب موقع جغرافي يربط 3 قارات.

ويضيف الشافعي لـ”مصراوي” أن مصر تمتلك شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة مع الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، وهو ما يمنح الشركات فرصة الإنتاج داخل مصر والتصدير إلى مئات الملايين من المستهلكين برسوم جمركية منخفضة أو معفاة.

وتستفيد مصر من اتفاقيات التجارة الحرة، مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى واتفاقية أغادير واتفاقية الكوميسا واتفاقية الميركوسور مع دول أمريكا الجنوبية.

ويتابع الشافعي: لهذا يعد الاستثمار الباحث عن الأسواق (Market-Seeking Investment) أحد أكثر أنماط الاستثمار الأجنبي انتشارًا داخل الاقتصاد المصري، إذ تستهدف الشركات العالمية تحويل مصر إلى قاعدة إقليمية للإنتاج والتصدير.

وتعزز الدولة هذا التوجه عبر التوسع في الاستثمارات الصناعية الموجهة للتصدير، مثل افتتاح صوامع التصدير الجديدة لشركة تيتان مصر بالإسكندرية باستثمارات 10 ملايين يورو أضافت طاقة تخزينية قدرها 20 ألف طن، بما يدعم قدرة الشركة على تصدير 300 ألف طن من الأسمنت للسوق الأمريكية كمرحلة أولى، مع خطة لرفعها لـ1.3 مليون طن خلال عامين، بجانب دراسة ضخ 20 مليون يورو إضافية لزيادة الطاقة الإنتاجية بنحو مليون طن سنويًا.

تكلفة إنتاج تنافسية

من جهته يقول الدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن قرار الاستثمار لا يقتصر على حجم السوق فقط، وإنما يمتد إلى تكلفة التشغيل.

ويوضح لـ”مصراوي” أن المستثمر يقارن بين تكلفة العمالة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية وتوافر المواد الخام، قبل اتخاذ قرار ضخ استثمارات بمئات الملايين من الدولارات.

كما يذكر أن المستثمر يبحث عن بيئة تحقق أعلى كفاءة إنتاجية بأقل تكلفة ممكنة، وهو ما يفسر اهتمام الدولة خلال السنوات الماضية بتطوير شبكات الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، بجانب التوسع في مشروعات الكهرباء والطاقة، بما يقلل تكلفة الإنتاج وسلاسل الإمداد.

ويتابع أن مصر تتمتع بقاعدة كبيرة من العمالة الشابة، إضافة إلى برامج تدريب وتأهيل تستهدف تلبية احتياجات القطاعات الصناعية والتكنولوجية المختلفة.

التكنولوجيا أصبحت عامل جذب

يقول الدكتور مصطفى بدرة الخبير الاقتصادي، إن الاستثمار الأجنبي لا يقتصر على الصناعات التقليدية، إذ أصبح قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من أسرع القطاعات نموًا خلال السنوات الأخيرة، مدعومًا بتوسع البنية الرقمية وزيادة صادرات خدمات التعهيد وارتفاع أعداد الكوادر المؤهلة.

ويضيف لـ”مصراوي” أن قطاع الطاقة المتجددة ضمن أهم المجالات الجاذبة للاستثمار، في ظل التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر واستهداف رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء خلال السنوات المقبلة.

ويشير بدرة إلى أن قطاعات التصنيع الموجه للتصدير والسياحة والصناعات الغذائية والزراعة الحديثة، تأتي أيضًا ضمن أكثر القطاعات الواعدة أمام المستثمرين الأجانب.

ماذا تقدم الدولة للمستثمر؟

خالد الشافعي يقول إن وجود سوق كبيرة أو تكلفة إنتاج مناسبة وحدهما لا يكفيان لجذب المستثمر، إذ يبقى عنصر الثقة في البيئة التشريعية هو العامل الحاسم.

ويضيف أن قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 يضمن طمأنة المستثمر طويل الأجل، من بينها المساواة بين المستثمر المصري والأجنبي وحظر التأميم أو المصادرة إلا وفقًا للقانون وللمنفعة العامة مع تعويض عادل، إضافة إلى ضمان حرية تحويل الأرباح ورأس المال.

كما يشير وليد جاب الله إلى أن القانون يوفر حوافز استثمارية للمشروعات المقامة في المناطق الأكثر احتياجًا للتنمية، تشمل خصومات على التكلفة الاستثمارية فضلًا عن تيسيرات جمركية على الآلات والمعدات المستخدمة في الإنتاج.

بينما يلفت مصطفى بدرة إلى توسع الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في تطبيق نظام “الشباك الواحد”، الذي يجمع إجراءات تأسيس الشركات والحصول على التراخيص في مكان واحد بجانب التوسع في الخدمات الرقمية لتقليل الوقت والتكلفة.

بينما يتابع خالد الشافعي أن المستثمر الأجنبي يضع سرعة الفصل في المنازعات ضمن أهم معايير اختيار الدولة التي سيضخ فيها أمواله، مبينًا أن مصر اتجهت إلى تعزيز دور المحاكم الاقتصادية وتطوير آليات التحكيم والوساطة لتسوية المنازعات الاستثمارية، ما يمنح المستثمر درجة أكبر من اليقين القانوني.

من ناحيته يرى وليد جاب الله أن وضوح الإجراءات وسرعة التقاضي أصبحا من عناصر التنافس بين الدول في جذب الاستثمارات، خاصة مع احتدام المنافسة الإقليمية على استقطاب الشركات العالمية، لا سيما مع تطوير مراكز البيانات لتخزين وتبادل البيانات الضخمة.

الأموال الساخنة ليست بديلًا

يقول الدكتور مصطفى بدرة إن تدفقات المحافظ المالية ذات أهمية في دعم سوق النقد وتوفير العملة الأجنبية وتظل بطبيعتها أكثر تقلبًا، ولكنها تدخل الأسواق سريعًا وتخرج بالسرعة نفسها مع تغير أسعار الفائدة أو تصاعد المخاطر العالمية.

بينما يتابع أن الاستثمار الأجنبي المباشر يرتبط بأصول إنتاجية يصعب نقلها من دولة إلى أخرى، وهو ما يجعله أكثر استقرارًا وأكثر قدرة على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات ورفع الإنتاجية ونقل المعرفة والتكنولوجيا.

ولهذا يرى خالد الشافعي أن المنافسة الحقيقية بين الدول لم تعد تدور حول رفع أسعار الفائدة لجذب الأموال الساخنة، وإنما حول بناء بيئة أعمال مستقرة وإجراءات أكثر كفاءة وتشريعات أكثر وضوحًا وبنية تحتية قادرة على دعم المستثمر لعقود لا لعدة أشهر فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version