في الصباح الباكر، تبدو حقول القطن في الإسماعيلية وكأنها ارتدت ثوبًا أبيض تتوسطه خضرة النباتات، بينما تتحرك أيدي الفلاحين بين الصفوف، في مشهد يحمل فرحة خاصة، لا تأتي في يوم واحد، وإنما هي حصيلة شهور طويلة من التعب والرعاية والانتظار.
بين هذه الصفوف، يقف عم سعيد وسط أفراد أسرته، يحمل خبرة 40 عامًا قضاها في زراعة القطن، وهي مهنة لم يبدأها من الصفر، وإنما ورثها عن والده الذي علمه أسرار الأرض، وكيف يبدأ موسم الزراعة وينتهي بيوم الحصاد.
ينحني عم سعيد أمام إحدى النباتات، ويمد يده إلى اللوزة المفتوحة، يلتقط القطن الأبيض بأصابعه ويسحبه برفق، ثم يضعه داخل الجوال المعلق بجواره، قبل أن يتحرك خطوات قليلة إلى النبات التالي.
تتكرر الحركة عشرات ومئات المرات؛ يد تمتد إلى النبات، وأخرى تجمع ما تم التقاطه، ثم خطوة إلى الأمام، حتى يبدأ الجوال في الامتلاء تدريجيًا.
وبالنسبة لعم سعيد، تحمل كل لوزة يلتقطها اليوم ذكرى من سنوات طويلة قضاها في الأرض. فمنذ نحو 40 عامًا، يتعامل مع القطن باعتباره أكثر من مجرد محصول؛ فهو المهنة التي ورثها عن والده، والرزق المرتبط بالأرض، والخبرة التي نقلها اليوم إلى أسرته.
تعلم عم سعيد من والده تفاصيل الزراعة خطوة بخطوة، من تجهيز الأرض وزراعة البذور، مرورًا بالري والتسميد ومتابعة النباتات ومكافحة الآفات، وصولًا إلى لحظة الجني.
واليوم، يعمل مع أسرته في الحقل، فتتحرك الأيدي بين النباتات وتتوزع المهام بصورة تلقائية؛ واحد يجمع، وآخر يحمل، وثالث ينقل الأجولة، ثم يعود الجميع من جديد إلى صفوف القطن لاستكمال العمل.
وانطلقت أعمال حصاد محصول القطن من أراضي محافظة الإسماعيلية، وسط متابعة من مديرية الزراعة بالمحافظة، برئاسة الدكتور حسني عطية عزام، وكيل وزارة الزراعة بالإسماعيلية.
وتبلغ المساحة الإجمالية المنزرعة بمحصول القطن على مستوى المحافظة نحو 1301 فدان، منها 413 فدانًا في القنطرة غرب، و888 فدانًا في القنطرة شرق.
وتأتي القنطرة شرق في مقدمة مناطق زراعة القطن بالمحافظة من حيث المساحة، وسط متابعة ميدانية للمحصول والوقوف على حالته ومتابعة الممارسات الزراعية التي يتبعها المزارعون خلال الموسم.
ومع امتلاء جوال عم سعيد، تبدأ رحلة أخرى داخل الحقل.
يمسكه من طرفه، ويرفعه عامل آخر، ثم ينتقل من يد إلى أخرى في حركة متتابعة، حتى يصل إلى نقطة التجميع. وبينما يغادر جوال ممتلئ، يعود عامل آخر إلى النباتات، فينحني ويلتقط القطن، وكأن دورة العمل لا تتوقف.
واحد يجمع، وآخر يحمل، وثالث ينقل، ثم تتبدل الأدوار فيما بينهم. ومع كل جوال يصل إلى نقطة التجميع، تزداد كمية القطن الأبيض المتراكمة، وتظهر أمام أعينهم نتيجة ساعات العمل.
أما عم سعيد، فيعود مرة أخرى إلى صفوف النباتات، ويمد يده إلى ثمرة جديدة، وكأن الأربعين عامًا التي قضاها في زراعة القطن جعلت يده تعرف طريقها بين النباتات دون تفكير.
وراء هذا المشهد الأبيض، رحلة طويلة بدأت قبل أشهر، عندما جرى تجهيز الأرض وزراعة المحصول، ثم جاءت مراحل الري والتسميد والمتابعة والمكافحة، وكل مرحلة منها احتاجت إلى جهد ومتابعة حتى يصل القطن إلى مرحلة الجني.
ويقول عم سعيد عن الموسم لـ”مصراوي”: “إحنا بنستنى اليوم ده من أول ما بنزرع، لأن القطن محتاج متابعة وتعب طول الموسم، ولما نشوفه قدامنا بالشكل ده بنحس إن تعبنا كان له نتيجة”.
ويؤكد أن الحكاية ليست مجرد موسم حصاد، وإنما حكاية عمر كامل قضاه بين الأرض والقطن، موضحًا أن علاقته بالذهب الأبيض بدأت مع والده، ومنذ ذلك الوقت وهو يتعلم منه تفاصيل الزراعة، من تجهيز الأرض وزراعة البذور، إلى الري والتسميد ومكافحة الآفات، حتى يأتي اليوم الذي يقف فيه وسط الحقل ويحصد بيده نتيجة شهور طويلة من التعب.
ويضيف “عم سعيد”، أن زراعة القطن علمته الصبر، لأن المحصول يحتاج إلى متابعة مستمرة واهتمام في كل مرحلة، وأن أجمل لحظة بالنسبة له هي وقت الحصاد، عندما يرى القطن الأبيض يتجمع أمامه في الجوالات، وسط أولاده وأسرته الذين أصبحوا جزءًا من الحكاية نفسها التي بدأت مع والده قبل نحو 40 عامًا.
ويختصر عم سعيد حكايته بكلمات بسيطة، قائلًا إن الأرض بالنسبة له ليست مجرد مصدر رزق، وإنما ميراث من والده ومهنة عاش معها عمره، متمنيًا استمرار زراعة القطن من جيل إلى جيل.
وعلى مقربة منه، تقف زوجته لتشاركه العمل في الحقل، فتلتقط حبات القطن واحدة تلو الأخرى وتضعها في الجوال، وكأنها تحفظ معه تفاصيل موسم جديد من حكاية عمرها سنوات.
وتقول إن العمل في الأرض لم يكن يومًا مسؤولية عم سعيد وحده، فهي تشاركه التعب من الزراعة وحتى الحصاد، وتعرف جيدًا حجم المجهود الذي يبذله طوال الموسم.
وتضيف أن يوم الحصاد له فرحة مختلفة، فرغم التعب وطول ساعات العمل، فإن رؤية القطن الأبيض وهو يتجمع أمامهما تجعلهما يشعران بأن كل هذا المجهود لم يذهب هدرًا.
وبالنسبة لها، لم تعد زراعة القطن مجرد عمل، وإنما أصبحت جزءًا من حياتهما وذكرياتهما، وحكاية يتقاسمان تفاصيلها عامًا بعد عام.
وتؤكد: «الحصاد هو فرحة الفلاح، خصوصًا بعد شهور من خدمة الأرض، وكل جوال بيتجمع قدامنا بيخلينا نحس إننا بنحصد تعبنا وصبرنا».
وبالنسبة لعم سعيد، تبدو هذه الفرحة أكثر ارتباطًا بالذاكرة، فكل موسم قطن يعيده إلى والده، وإلى الأيام التي كان يتعلم فيها منه كيفية التعامل مع الأرض، وتمييز النبات، ومعرفة مواعيد الري والحصاد.
ويتبادل أفراد الأسرة الأجولة؛ يحمل أحدهم ما تم جمعه، بينما يعود الآخر إلى النباتات، وتتداخل خطواتهم مع النداءات المتبادلة وحركة الأيدي بين الأغصان.
ومع ارتفاع الشمس، تظهر آثار يوم العمل على الوجوه والملابس، لكن التعب لا يمنع الابتسامة، خصوصًا كلما امتلأ جوال جديد.
ومن جانبه، أوضح الأستاذ الدكتور سامي سعد بدر، بمعهد بحوث القطن، أن نجاح محصول القطن يبدأ من المعاملات الزراعية الصحيحة منذ بداية الموسم، ولا يتوقف عند مرحلة الجني، مؤكدًا أهمية المتابعة المستمرة للمحصول والتعامل مع أي إصابات في الوقت المناسب.
وأشار إلى أهمية إحكام عمليات الري وتجنب تغريق النباتات أو تعطيشها، مع الاهتمام بالمكافحة الزراعية ومتابعة الآفات التي يمكن أن تؤثر على إنتاجية المحصول وجودته.
كما ترتبط جودة القطن بطريقة الجني والتعامل مع المحصول بعد جمعه، وهو ما يجعل الالتزام بالممارسات السليمة خلال مراحل الزراعة والحصاد والتداول عاملًا مهمًا للحفاظ على جودة المحصول.
ومن جانبه، قال المهندس نفادي محمد حسين، مدير الإدارة الزراعية بالقنطرة شرق، إن المتابعة الميدانية للمحصول تستهدف الاطمئنان على حالة الزراعات وتقديم التوصيات الفنية للمزارعين، إلى جانب التعامل مع أي مشكلة أو إصابة تظهر خلال مراحل نمو المحصول والحصاد.
وأوضح أن زراعة القطن تحتاج إلى متابعة مستمرة منذ بداية الموسم، وأن التعاون بين المزارع والجهات الزراعية يساعد على التعامل مع المشكلات التي قد تظهر خلال مراحل الزراعة، خاصة ما يتعلق بالري والتسميد والمكافحة والحالة العامة للنبات.
وتتواصل أعمال المتابعة داخل الأراضي المنزرعة بالقطن، بالتزامن مع بدء موسم الحصاد، وسط استمرار العمل على جني المحصول والتعامل معه بالشكل الذي يحافظ على جودته.
في نهاية اليوم، لا تبدو الأرض كما كانت في الصباح، فالصفوف التي كانت ممتلئة بالقطن أصبحت أكثر خفة، بينما تتجمع الأجولة البيضاء في نقاط متفرقة داخل الحقل، شاهدة على ساعات طويلة من العمل.
ويقف عم سعيد للحظات ينظر إلى ما تم جمعه، وكأن ما أمامه ليس مجرد أجولة من القطن، وإنما حصيلة موسم كامل وامتداد لأربعين عامًا من المهنة التي ورثها عن والده.
وتظهر يده وهي تجمع ثمرة تعبه، وظهره الذي انحنى طويلًا في خدمة الأرض، والجوال الذي يزداد امتلاءً مع كل ساعة تمر؛ فكل زهرة قطن بيضاء في الحقل تحكي حكاية أرض وفلاح، بدأت ببذرة، واستمرت بالري والرعاية والمكافحة، وانتهت بفرحة الحصاد.
وفي الإسماعيلية، حيث تمتد زراعات القطن في القنطرة شرق والقنطرة غرب، يبقى موسم الجني لحظة ينتظرها المزارعون عامًا بعد عام، لأنه اليوم الذي تتحول فيه شهور التعب والصبر إلى محصول تلمسه الأيدي وتظهر فرحته على الوجوه.
أما عم سعيد، فيواصل السير بين صفوف القطن، كما فعل والده من قبله، يحمل مهنة عمرها أربعة عقود، ويترك لأسرته ما تركه له والده: حب الأرض، وخبرة الزراعة، وحكاية لا تنتهي مع الذهب الأبيض.


