عادت جريمة بني مزار إلى الواجهة من جديد، بعد أكثر من 21 عامًا على وقوعها، عقب تناولها ضمن أحداث مسلسل «القصة الكاملة» في حلقة حملت عنوان «ما لم يُحكَ عن بني مزار»، لتتجدد حالة الجدل داخل عزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا.
جريمة بني مزار
والتقى “مصراوي” عددًا من أهالي الضحايا داخل القرية، حيث تحدثوا عن تفاصيل الجريمة وذكرياتهم عنها، كما أبدوا اعتراضهم على بعض الوقائع التي تناولها المسلسل، مؤكدين – بحسب رواياتهم – أنها لا تتطابق مع ما عاشوه أو ما عرفوه عن الحادث.
وتعود الواقعة إلى مقتل 10 أشخاص من 3 أسر داخل 3 منازل متجاورة تقريبًا، بينما انتهت محاكمة المتهم الوحيد في القضية إلى البراءة، وأيدت محكمة النقض الحكم، ليظل مرتكب الجريمة غير معلوم حتى الآن.
قال محمد يحيى، الذي قُتل والده ووالدته وشقيقه وشقيقته في الجريمة، إنه كان يبلغ من العمر 13 عامًا وقت وقوع الحادث، وكان يقيم في تلك الليلة لدى جدته.
وأضاف لـ”مصراوي”، أنه استيقظ قبيل الفجر على أصوات صرخات الأهالي، فتوجه سريعًا إلى منزل أسرته، وعندما دخل الغرفة وجد والده ووالدته وشقيقه وشقيقته قد لقوا مصرعهم.
وأوضح أن الجثامين تعرضت لاعتداءات، مشيرًا إلى وجود جروح في منطقة البطن، وقطع الأعضاء التناسلية للوالد وشقيقه، بحسب روايته.
وأضاف محمد يحيى، أن عددًا من التفاصيل التي ظهرت في المسلسل لا تتطابق، بحسب روايته، مع ما حدث على أرض الواقع، موضحًا أن الحمام لم يُذبح في المنازل الثلاثة، وإنما في منزل والده فقط، لأنه كان يتولى تربية الحمام.
وأشار إلى أن الحمام لم يُذبح بالطريقة التي ظهرت في العمل، وإنما قُطعت أعناقه وأُلقيت في منتصف المنزل، مؤكدًا أن أعضاءً لم تُستخرج من بطون الضحايا، وفق ما شاهده وعرفه وقت الواقعة.
كما اعترض على تناول المسلسل روايات عن السحر والشعوذة والتنقيب عن الآثار داخل القرية، إضافة إلى ظهور شخصيات قال إن أهالي المنطقة لم يعرفوها، مشيرًا إلى أن شخصية الحاج «أبو بكر» ظهرت في بداية المسلسل على أنها لشخص فقير، بينما قال إنه ينتمي إلى عائلة العمدة وإحدى العائلات الكبيرة في القرية.
وقال إبراهيم علي، شقيق الضحية صباح علي، وزوجها السيد محمود وطفليهما فاطمة وأحمد، إن عرض المسلسل تسبب في حالة من الغضب والاحتقان بين عدد من أهالي القرية.
وأضاف: “هناك العديد من الأخطاء التي وردت في المسلسل، ولا نعلم من الذي نقل هذه التفاصيل إلى المؤلف بهذا الشكل”.
وأشار إلى أن أسر الضحايا كانت لديها خلافات سابقة مع المتهم الذي حصل على البراءة لاحقًا، موضحًا أن بعض الأهالي ما زالوا يعتقدون أنه المسؤول عن الجريمة، مستندين إلى ما قال إنه تفاصيل وردت خلال التحقيقات، ومنها تمثيله لكيفية ارتكاب الواقعة وإرشاده إلى أماكن العثور على الأعضاء التي قيل إنها قُطعت من بعض الضحايا.
وشدد على أن الحكم القضائي انتهى إلى براءة المتهم، بعد مناقشة الأدلة المقدمة في القضية، مضيفًا: «لا نعلم ما الهدف من مسلسل لم يصل إلى الحقيقة أو يروِ تفاصيل جديدة، لكنه ذكر وقائع مغلوطة، وتسبب في بث الخوف في نفوس الأهالي، خاصة الأطفال».
وقالت أمل سيد محمود، التي فقدت والدها ووالدتها وشقيقها وشقيقتها في الجريمة، إنها حرصت طوال السنوات الماضية على عدم الحديث عن تفاصيل الواقعة أمام أطفالها حتى لا يعيشوا في حالة من الخوف.
وأضافت أن عرض المسلسل وتناوله أسماء الضحايا الحقيقية جعل الأمر معروفًا لأطفالها، مشيرة إلى أن أبناءها أصبحوا في حالة من الذعر منذ عرض الحلقة.
وقالت: “عيالي بيخافوا يدخلوا الحمام وحدهم من وقت إذاعة المسلسل وحتى الآن، والأطفال بيعايروهم وهما بيلعبوا”.
تعود أحداث الجريمة إلى ليلة 29 ديسمبر 2005، عندما شهدت قرية شمس الدين التابعة لمركز بني مزار جريمة مروعة راح ضحيتها 10 أشخاص من 3 أسر، داخل 3 منازل متجاورة تقريبًا في شارع واحد.
وبحسب ما ورد في أوراق القضية، وقعت الجريمة خلال ساعات الليل، بعدما تمكن الجاني من دخول المنازل من أعلى الأسطح، دون كسر أبواب أو نوافذ، فيما لم يسمع الأهالي استغاثات واضحة، ولم تظهر آثار مقاومة كبيرة من الضحايا الذين كانوا نائمين وقت وقوع الحادث.
وكان من بين الضحايا يحيى أبو بكر وزوجته بثينة وطفلاهما أسماء وأحمد، والسيد محمود وزوجته صباح وطفلاهما فاطمة وأحمد، إلى جانب طه عبد الحميد ووالدته.
بدأ اكتشاف الجريمة مع حلول الفجر، عندما توجه أحد الأهالي إلى منزل أسرته لإيقاظ والدته وشقيقه لأداء صلاة الفجر، لكنه لم يتلقَ أي رد.
وبعد دخوله المنزل، اكتشف وقوع الجريمة، لتنتشر صرخات الأهالي في القرية، ويجري اكتشاف باقي الضحايا داخل المنازل الثلاثة، وسط حالة من الصدمة والذهول بين أبناء القرية.
واستخدم الجاني آلة حادة في تنفيذ الجريمة، وفق ما تناولته التحقيقات وأوراق القضية، قبل أن يختفي دون أن تتضح هويته أو دوافعه بشكل حاسم.
ومن أبرز التفاصيل التي ارتبطت بالجريمة وأثارت جدلًا واسعًا وقت وقوعها، العثور على حمام مذبوح داخل أحد منازل الضحايا، إلى جانب روايات تحدثت عن قطع الأعضاء التناسلية لبعض الضحايا ووضعها بجوارهم.
وأثارت هذه التفاصيل موجة واسعة من التكهنات بشأن دوافع الجريمة، فظهرت روايات تتحدث عن الثأر، وأخرى ربطت الواقعة بعصابات للبحث عن الآثار، فيما ذهبت بعض التكهنات إلى الحديث عن طقوس غريبة مرتبطة باستخراج كنز فرعوني.
ومع تعدد الروايات، ظل السؤال الأبرز بلا إجابة: من ارتكب الجريمة؟ وهل نفذها شخص واحد أم شارك فيها أكثر من شخص؟
مع استمرار التحقيقات، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على شاب من أبناء العزبة يدعى «محمد علي محمد»، وكان يبلغ من العمر وقتها 27 عامًا.
واتُهم الشاب بقتل الأشخاص العشرة، وجرى الحديث عن اعترافه بارتكاب الجريمة، فيما استند جانب من الاتهام إلى أقوال شاهد قال إنه شاهد المتهم بالقرب من أحد المنازل الثلاثة ليلة وقوع الحادث.
إلا أن المتهم أنكر أمام المحكمة ارتكاب الجريمة، وتمسك ببراءته، وقال إن الاعتراف المنسوب إليه جاء نتيجة الإكراه، كما اتهم الشرطة بتعذيبه وتعذيب أفراد من أسرته لإجباره على الاعتراف.
وفي سبتمبر 2006، أصدرت محكمة جنايات المنيا حكمًا ببراءة محمد علي عبد اللطيف من الاتهام، قبل أن تطعن النيابة على الحكم.
وبعد نحو ثلاثة أشهر، أيدت محكمة النقض حكم البراءة، لتنتهي بذلك محاكمة المتهم الوحيد في القضية دون إدانة، بينما ظل السؤال حول مرتكب الجريمة الحقيقي قائمًا.
واستند تأييد حكم البراءة، وفق ما ورد في حيثيات الحكم، إلى عدد من الأسباب المتعلقة بالأدلة المقدمة من النيابة، من بينها أن الاعتراف المنسوب إلى المتهم شابه الإكراه والتناقض، وأن إذن القبض والتفتيش بُني على تحريات لم ترَ المحكمة أنها كافية.
كما أوضحت الحيثيات أن المحكمة لم تطمئن إلى الأدلة المقدمة ضد المتهم، إلى جانب وجود استحالة أو صعوبة شديدة في تصور تنفيذ شخص واحد للجريمة بهذه الصورة وخلال فترة زمنية قصيرة.
وانتهت المحكمة إلى أن الشك القائم في الأدلة يجب أن يُفسر لمصلحة المتهم، وهو ما دعم تأييد حكم البراءة.
بعد مرور أكثر من عقدين على الواقعة، عادت جريمة بني مزار إلى الذاكرة من جديد بعدما تناولها مسلسل «القصة الكاملة»، لتفتح الحلقة الباب أمام أسئلة قديمة لا تزال بلا إجابات، فيما يرى أهالي الضحايا أن بعض ما عُرض على الشاشة لا يعكس، من وجهة نظرهم، حقيقة ما جرى داخل عزبة شمس الدين في ديسمبر 2005.
اقرأ أيضاً…
محدش عنده قلب يقعد فيها تاني”.. ماذا حدث لمنازل مذبحة بني مزار بعد 20 عامًا؟
حمام مذبوح بجوار الجثث.. لماذا عادت جريمة بني مزار الغامضة للأضواء؟


